*أريب محمد عبدالغني
مر الاقتصاد العالمي منذ سبتمبر 2008 بأزمة مالية تعد من أسوء الأزمات التي عرفها التاريخ الاقتصادي، نتجت عن مشكلة الرهن العقاري في الولايات المتحدة الأمريكية، التي تسببت فيها القروض العقارية الرديئة ، ومنذ ذلك التاريخ والأزمة تتمدد وتتفاقم في صورة انهيارات متتالية لعدة مؤسسات مالية كبرى من بنوك وشركات تأمين وشركات التمويل العقاري وصناديق الاستثمار، وشملت تداعياتها أسواق المال والبورصات العالمية في صورة انخفاضات حادة ومتتالية للمؤشرات بها وامتدت تأثيراتها إلى جميع أنحاء العالم وإلى جوانب الاقتصاد في صورة ركود بدأ يخيم على حركة الأسواق وانخفاضات في معدل النمو. حتى أصبحت الأزمة المالية عنوانا في مختلف الصحف والمجلات ووسائل الإعلام.
وتعتبر هذه الأزمة الأخطر في تاريخ الأزمات المالية، خاصة بعدما ثبت عجز النظام الاقتصادي العالمي عن احتوائها والتخفيف من آثارها بشكل سريع وفعال. وتأتي خطورة هذه الأزمة من كون انطلاقها كان من اقتصاد الولايات المتحدة الذي يشكل قاطرة النمو في الاقتصاد العالمي، فاقتصادها هو الأكبر في العالم بحجم يبلغ حوالي 14 تريليون دولار، وتشكل التجارة الخارجية لها أكثر من 10% من إجمالي التجارة العالمية. ومن ناحية أخرى تحتل السوق المالية الأمريكية موقع القيادة للأسواق المالية العالمية، لذا فإن أية مخاطر تتعرض لها هذه السوق تنتشر آثارها إلى باقي الأسواق المالية الأخرى بسرعة كبيرة.
و لم تكن الازمة الاقتصادية العالمية مفاجأة لذوي الاختصاص والمراقبين الذين حذروا من وقوعها قبل سنوات. وقد تعددت أسباب هذه الأزمة؛ بدء فى أسعار الفائدة المركبة، إلى الرهن العقاري، مرورا بالاقتراض لمؤسسات وهمية، وانتهاء بمصيبة جعلت الأزمة أكثر ضراوة، وتوجهها نحو الانهيار، ألا وهي مسألة فقدان الثقة فى الأسواق قاطبة، عصفت الأزمة هذه المره بالنظام الرأسمالي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية؛ أقوى الاقتصاديات في العالم، إذ يمثل اقتصادها أكثر من 30 % من اقتصاد العالم، انتهاء بإقتصاديات دول نامية كدول افريقيا والشرق الأوسط وامريكا الجنوبية.
وقد تفجرت الأزمة فى منتصف شهر سبتمبر/أيلول الماضي بالولايات المتحدة لدرجة أن المحللين الاقتصاديين والسياسيين اعتبروا بداية الأسبوع الثالث في ذلك الشهر "أسبوعا داميا" وتاريخيا للاقتصاد الأميركي، انهارت فيه مؤسسات مالية ضخمة بعد سنوات طويلة من النجاح، واضطرت مؤسسات أخرى للاندماج خشية السقوط، في حين تواصل المد الزلزالي الاقتصادي ليطال مؤسسات مالية كبرى في أوروبا وآسيا باعتباره نتيجة محتومة لارتباطها الاستثماري بالسوق المالية الأميركية.
ان تداعيات وأسباب الأزمة المالية الراهنة قد تناقضت فيها أراء المحللين والخبراء الاقتصاديين بين متفائل بانهيار وشيك للنظام الرأسمالي المعولم ، وبين من يختصر الأزمة الراهنة بكونها لا تعدو أن تكون أزمة رهن عقاري،وإن امتددت تأثيراتها أفقيًا وعموديًا،مسلمين بقدرة الرأسمالية بمفاعيلها وقوانينها الذاتية على تجاوز أزماتها وتناقضاتها الدورية والعامة.
مفهوم الأزمة المالية وأنواعها:
بالرغم من عدم وجود تعريف محدد للأزمة المالية، إلا أن معظم التعاريف المقدمة لها تتفق على كونها اختلالا عميقا واضطرابا حادا ومفاجئا في بعض التوازنات الاقتصادية يتبعهما انهيار في المؤسسات المالية ومؤشرات أدائها، ويمتد آثار ذلك كله إلى القطاعات الأخرى.
جذور الأزمة وتشخيصها:
رغم أن الأزمة المالية الحالية لم تظهر بشكل واضح حتى سنة 2008 ، إلا أنها بدأت تتكون داخل الاقتصاد الأمريكي منذ العام2000 ، حيث انخفضت أسعار الفائدة بشكل كبير لتصل إلى أقل من % 1، كما تزامن ذلك مع انفجار فقاعة شركات الانترنت Dotcom bubble ، ثم أخذت قيمة العقارات ترتفع، وارتفعت معها أسهم الشركات العقارية المسجلة بالبورصة بشكل مستمر، سواء في الولايات المتحدة أو في غيرها من دول العالم مقابل انخفاض الأسهم في القطاعات الاقتصادية الأخرى بما فيها قطاعات التكنولوجيا والاتصالات الحديثة، الأمر الذي أدى إلى إقبال الأمريكيين أفرادا وشركات على شراء المساكن والعقارات بهدف الاستثمار طويل الأجل، وزادت عمليات الإقراض من قبل البنوك، وازداد التوسع والتساهل في منح القروض العقارية للأفراد من ذوى الدخول المنخفضة وغير القادرين على السداد، ، وذلك دون التحقق من قدرتهم على السداد ومع بداية عام 2006 حدثت حالة من التشبع التمويلي العقاري ارتفعت أسعار الفائدة لتصل إلى %25.5، وأصبح الأفراد المستفيدين من القروض متدنية الجودة غير قادرين على سداد الأقساط المستحقة عليهم، وازداد الأمر سوءا بانتهاء فترة الفائدة المثبتة المنخفضة للقروض، وازدادت معدلات حجز البنوك لعقارات من لم يستطيعوا السداد، لتصل إلى حوالي 93 %، وفقد أكثر من 2 مليون أمريكي ملكيتهم لهذه العقارات وأصبحوا مكبلين بالالتزامات المالية طيلة حياتهم ، وما زاد الطين بلة ان قامت البنوك وشركات التمويل العقاري بالاتفاق مع مشتري العقارات على تأمين سداد القروض في شركات التأمين مقابل أقساط وعندما عجز المشترون عن دفع الأقساط كانت شركة التأمين مطالبة بالسداد، وعند تفاقم المشكلة عجزت هذه الشركات عن توفير السيولة اللازمة لدفع التعويضات فدخلت دائرة التعثر والإفلاس.
اتجاه البنوك المقدمة لهذه القروض لخصم الديون العقارية من خلال تجميع القروض العقارية المتشابهة في سلة واحدة وإعادة بيعها للمؤسسات، والشركات المالية والعقارية الأخرى لتقوم الأخيرة بتجميع أقساط القروض من المدينين في محاولة للحد من المخاطر المترتبة عليها، قام المقترضون أصحاب المنازل بإعادة رهن العقارات بعد تقويمها بمبالغ أكثر من قيمتها الأصلية والحصول على قروض من مؤسسات أخرى التي بدورها باعت هذه القروض إلى شركات الخصم (التوريق) التي أصدرت بموجبها سندات وطرحتها في أسواق المال والبورصات للتداول تم إصدار أدوات مالية للمضاربة على فروق أسعار هذه السندات وتم طرحها في الأسواق هي الأخرى وتم تداولها منفصلة عن السندات، وهذا ما أدى إلى امتداد آثار الأزمة لعدد كبير من البنوك والشركات في الولايات المتحدة وحول العالم وبدأت الأزمة تكبر ككرة الثلج وتنتشر لتشمل معظم الشركات المالية والعقارية، وهنا بدأ الحديث عن أزمة مالية عالمية مصدرها الاقتصاد الأمريكي، ولكنها تتجاوز حدود الولايات المتحدة الأمريكية لتطول آثارها الاقتصاد في معظم دول العالم.
أسباب الأزمة المالية الحالية:
أزمة الرهن العقاري mortgage Subprime:
يعتبر موضوع الرهن العقاري السبب الرئيس والمباشر للأزمة، حيث شجع الازدهار الكبير لسوق العقارات الأمريكية ما بين عامي 2001 و 2006 البنوك وشركات الإقراض على اللجوء إلى الإقراض العقاري مرتفع المخاطر، ويتم بموجبه التعاقد بين ثلاث أطراف بين مالك العقار ومشتري وممول بنك أو شركة تمويل عقاري على أن يقوم المالك ببيع العقار للمشترى بمبلغ معين ويدفع المشترى جزءًا من الثمن ويقوم الممول في ذات العقد بدفع باقي الثمن للبائع مباشرة واعتباره قرضا في ذمة المشتري مقابل رهن العقار للممول ويسدد القرض على أقساط طويلة ( 30 سنة) بفائدة تبدأ عادة بسيطة في السنتين الأوليين ثم تتزايد بعد ذلك ويسجل العقار باسم المشتري ويصبح مالكه له حق التصرف فيه بالبيع أو الرهن، وكون البنوك أغفلت التحقق من الجدارة الائتمانية للمقترضين وأغرتهم بفائدة بسيطة في الأول ثم تزايدت وتوسعت في منح القروض مما خلق طلبا متزايدا على العقارات إلى أن تشبع السوق فانخفضت أسعار العقارات وعجز المقترضون عن السداد وكانت البنوك قد باعت هذه القروض إلى شركات التوريق التي أصدرت بها سندات وطرحتها للاكتتاب العام وبالتالي ترتب على الرهن العقاري كم هائل من الديون مرتبط بعضها ببعض في توازن هش أدى إلى توقف المقترضين عن السداد وبالتالي حدثت المشكلة.
كما توسعت المؤسسات المالية في إعطاء القروض للمؤسسات العقارية وشركات المقاولات والتي زادت عن 700 مليار دولار، لكن ارتفاع معدل الفائدة العام أدى إلى إحداث تغير في طبيعة السوق الأميركية تمثل في انخفاض أسعار المساكن، الأمر الذي شكل بداية اشتعال الأزمة إذ توجب على الكثير من المقترضين سداد قروضهم، فبدأت المؤسسات المالية وشركات الإقراض تعاني تداعيات هذه القروض الكبيرة المتراكمة، وأدى ارتباط عدد كبير من المؤسسات المالية خاصة الأوروبية والآسيوية بالسوق المالية الأمريكية إلى أن تطال الأزمة شركات القروض العقارية والمصارف وصناديق التحوط وشركات الاستثمار والأسواق المالية في جميع أنحاء العالم، وبلغ حجم القروض المتعثرة للأفراد نحو 100 مليار دولار، مما أدى إلى تراجع أسهم المؤسسات المالية المقرضة وهبوط مجمل الأسواق المالية الأمريكية ثم الأسيوية والأوروبية تبعًا لها.
الدروس المستفادة من الأزمة المالية الاخيرة:
لقد مر عالمنا في خلال العقود الأربعة الماضية بالعديد من الأزمات المالية ولكن تبقى الأزمة الاخيرة الأكثر شدة وتأثيرا على أسواق المال والاقتصاد العالمي، و من الدروس المستفادة من هذه الأزمة هي محدودية أثار الأزمة المالية على الصناعة المالية الإسلامية و يعود سر ذلك إلى التزام البنوك الإسلامية بمنظومة قيمية و ترسانة من الضوابط الشرعية للتمويل والالتزام بإجراءات الرقابة المصرفية اللازمة مقارنة مع البنوك التقليدية، إضافة إلى اعتماد النظام المصرفي و سياسات المال والتجارة الإسلامية على الاقتصاد الحقيقي والتجارة الحقيقية وليس على تجارة المال، و على أساس ذلك فإن هذه الأزمة ستتيح الفرصة للتمويل الإسلامي ليكون له دور هام في النظام المالي العالمي الجديد الذي يتشكل أمام أعيننا حاليًا و هذا باعتراف الاختصاصيين و الخبراء الأجانب.
ان تكاثف الجهود الدولية لإعادة النظر في النظام النقدي والمالي الدولي الحالي سيسمح لجميع الدول بالحرية الاقتصادية والسياسية الكاملة في اختيار ربط عملاته بسلة عملات يتم الاتفاق عليها دوليا.
لكن المهم الان هو إعادة الثقة في الأسواق المالية أولا من خلال تدخل الحكومات والبنوك المركزية لضمان توفير السيولة للجهاز المصرفي وهذا ماحدث بالفعل مؤخراً، والعمل على مستوى دولي لحل الأزمة، كما تستوجب إعادة النظر في القواعد الأساسية للنظام الرأسمالي،العولمة،السياسات النقدية النيوليبرالية على مستوى البنوك والمؤسسات المالية لتحتل إدارة المخاطر وتنويع المحافظ المالية الدور الاهم والابرز في المرحلة القادمة، وعدم التوسع في التعامل بالمشتقات، والتخصص في العمل المصرفي واستخدام واستحداث الأدوات الأكثر فعالية لتجنب الأزمات أو الوقاية منها.
*باحث وكاتب متخصص بالشئون الاقتصادية.
المصطلاحات:
1- القروض العقارية الرديئة : القروض العقارية المتدنية الفوائد
2- التمويل المتحوط: تخفيف حدة المخاطر المتوقعة
3- ازمة فقعات الانترنت : اجتاحت الولابات المتحدة العام 2000م موجه جنون بسبب الانترنت وظن الناس أن جميع أسهم شركات الانترنت سوف ترتفع فضاربوا عليها بشكل جنوني إلى أن انتهي الأمر بما يسمى فقاعة الانترنت حيث انهارت الأسعار الاسهم.
4- النيوليبرالية: مفهوم جديد حول التنمية وعلاقة الاقتصاديات النامية بالنظام الاقتصادي العالمي بتحرير اقتصادياتها وإعادة تعريف دور الدولة في السوق، وعلاقة اندماج الاقتصاد الوطني بالاقتصاد العالمي.
قائمة المراجع
1- حازم الببلاوي،الأزمة المالية الحالية-محاولة للفهم
2- عبد الرحيم حمدي، الأزمة المالية العالمية وأثرها على الفكر الاقتصادي الإسلامي
3- عبد النبي إسماعيل الطوخي، التنبؤ المبكر بالأزمات باستخدام المؤشرات المالية القائدة
4- عبد الله شحاتة، الأزمة المالية: المفهوم والأسباب
5- عرفان الحسني، الاقتصاد السياسي لأزمة أسواق المال الدولية، في مجلة المال والصناعة
6- فلاح شفيع، النشاط الربوي والأزمات المالية