الاثنين، 14 سبتمبر 2009

الاخلاق و التشـــريعات الاقتصادية

أريب محمد عبد الغني

لا يوجد داء بدون دواء وعلينا الكشف عن الدواء وخير دواء هو إيجاد السبل والطرق التي تقوي حب الإفراد والمجتمع للتشريعات والقوانين باعتبارها الأساس لتنظيم حياتهم بمختلف جوانبها وكثيراً ما ينتج عن هذه التقوية احترام التشريعات والقوانين والقرارات الصادرة والنافذة وهى الناحية الهامة لجعل النفس البشرية تتقبل فرض التشريعات والقوانين رغم عدم تغطيتها التغطية الكاملة للرغبات والطموحات التي تعلق الآمال عليها من خلال تطبيقها حيث إن إرضاء جميع الآراء صعبة المنال ..

على اعتبار أن الإعلام والتربية المقرونة بالعلم والمعرفة حلقتان مهمتان في احترام التشريعات فإنه بالمقابل علينا أن نؤمن إلى أن الرخاء والبحبوحة الاقتصادية تساعدان على أداء العاملين في هذه المجالات ، بمعنى أوضح العامل المادي يساعد على توفر وسائل التربية وتحسين دور وسائل الإعلام، و تقر بوجود العلاقة بين الإعلام والتربية بالعلم والمعرفة ، و طغيان تأثير المادة على النفس الإنسانية يسبب في كثير من الأحيان الخلل في ضمان اتزان السلوك الأخلاقي، وهنا يتبادر إلى ذهننا وجوب مراقبة كل عامل من العوامل التي تضمن حصول التجانس بين المعلومات كماً ونوعاً وبين نوعية الأخلاق وبين العامل المادي ، ان هذا التجانس يؤمن لنا الوصول إلى نصوص لتشريعات وقوانين اقتصادية عادلة ، وهنا يجب أن نتساءل ... هل الأخلاق ضرورية لأحد أطراف التعامل حتى يتم التوفيق فيما بينهما... والجواب نعم هذا ضروري أن نوحد نواة للأخلاق لدى بعض بني البشر حتى نستطيع من خلالها أن نجعل الأخلاق تعم أكبر نسبة من المجتمع لنصنع الأداة التي تمنع من نشوء النزاعات بينهم، خاصة فيما إذا كانت الأخلاق تشغل الحيز الأكبر من العقل البشري...عندها يمكن ان يحل اي خلاف عن طريق تنافس وتفاعل العقول مع بعضها بعضاً، ويمكن القول إن من نتائج العقل البشري الأخلاقي للأمم بعد الحرب العالمية الثانية هو إنشاء المنظمات الدولية كمجلس الأمن والأمم المتحدة وما تفرع عنها من منظمات لغرض حل المشاكل والنزاعات بينها بشكل سليم وعادل، فكما أن هنالك هيئات ومحاكم تحاسب المخالف للقوانين والتشريعات المحلية فإنه أيضاً يوجد من يحاسب الدول على مخالفتها للتشريعات والقوانين الدولية التي تنظم العلاقة بينهم ، وفي رأيي فإن احترام الفرد لتشريعاته وقوانينه يسهل تطبيق القانون كما أنه يعكس في الوقت نفسه احترام القوانين والأحكام والقرارات الصادرة عن المحاكم الدولية لان الشعوب هي عبارة عن مجموعة أفراد ، فإذا ما قام أي فرد منها باختراق القانون الدولي فإنه حكماً قد اخترق أحد القوانين المعمول بها لوجود الترابط القوي بين الشعوب لسببين رئيسيين الأول.. تطبيق العولمة، والثاني.. تقارب المسافات بينهما عن طريق وسائل الإعلام الحديثة القائمة على استخدام الأقمار الاصطناعية والانترنت ولذلك فقد أصبحت كمية الأخلاق التي تتمتع بها الشعوب المعيار لحضارتها وباستعمالها تستطيع جذب الشعوب الأخرى إليها للعلاقة القوية بين الأخلاق والسلام والأمن الدولي.
من كل ذلك نستنتج إلى أن الدول التي تتمتع شعوبها بمقدار كافي من الأخلاق تسعى جاهدة لاستكمال أخلاقها عن طريق اكتساب صفات أخلاقية مكملة و التوعية المشجعة للتعامل والتأقلم مع أخلاق الآخرين، وهذا النوع ليس سهل المنال لأن معنى الأخلاق واسع جداً بحيث يعتبر البعض تصرف الفرد أخلاقي بينما البعض الآخر يعتبره غير أخلاقي إلى ما هنالك من اختلاف في وجهات النظر بين العالم بالنسبة لتحديد مفهوم الأخلاق، ولذلك نجد ان هنالك فجوة بين الأخلاق الحميدة والسيئة، و حاجة صاحب الأخلاق الحميدة للتعامل مع صاحب الأخلاق السيئة تحمل الأول على التنازل عن بعض أخلاقه إلى الآخر مما يدل على أن واجب الأفراد الحضاريين هو نقل حضارتهم إلى العالم المتخلف خاصة بعد أن نادت الدول المتحضرة إلى جعل العالم منفتحاً على بعضه بتطبيق نظام العولمة، ولما كنا قد ربطنا الأخلاق بالقوانين والتشريعات أي أنه تزداد رفعة الشعوب التي تحترم قوانينها فإنه مما لا شك فيه إلى أن المشرعين للحياة الاقتصادية يجب أن يكونوا على مستوى أخلاقي عال حتى يستطيعوا تحديد الحدود الدنيا للتعاملات الاقتصادية بموجب ضمانات قانونية وإجراءات إدارية مرنه وفعاله و لابد من أن يتم اختيارهم من النسيج نفسه الذي سوف توكل إليهم مهام تنظيم التعاملات الاقتصادية بكل جوانبها وابعادها وتفرعاتها وتقسيمتها، أن وضع أو تحديد اخلاقيات التعاملات اللازمة لكل مجتمع لا يمكن أن يتم من خارج مكوناته ، حيث يمكن أن يؤثر على تماسك الحياة الاقتصادية ومن ثم المجتمع برمته، إذ لابد أن تتعرض إلى الأخلاقية الثقافية والاجتماعية والمهنية التي تتمتع بها شخصية المشرع، و لا يكفي أن يتم اختياره من المجتمع بل لابد من أن يتصف بصفات معينة وأن يكون هنالك معايير للاختيار مع التأكد من توفرها ، فمثلاً.. أن يتحلى المشرع بالنزاهة وسرعة البديهة وسلامة التفكير والاحتواء العقلي لمستوى ونوع معين من الثقافة والمهنية ومدى انعكاس ذلك كله في سلوكيات الفرد، فالظاهر يدل على توفر هذه العوامل كلها ولكن كيف يمكن التأكد من توفرها الفعلي المطلق.. فلا بد من وضع معايير للمعايير السابقة وهو ما يمكن أن يقال عنه السيرة الذاتية للشخص المرشح لتولي مهام التشريع، أما المعيار الأخلاقي فهو الذي يظهر من خلال ممارسة المثقف المهني لمهنته فهل تتم هذه الـممارسة بصورة طبيعية أو يعتريها ويشوبها شيء من العشوائية أو سوء المعاملة والتصرف، ولهذا فإن ما يجب ان نجريه من عملية معقدة في اختيار المنصب له ما يبرره استناداً إلى أبسط قواعد الإدارة التي تعمل حسب مبدأ التطبيق الهرمي فيها نظراً لكون الرأس في جسم الإنسان هو المحرك لكافة أعضاء الجسم، أي أن سلامة سلوك المشرع الاقتصادي هو أهم من التشريعات نفسها حيث أن هذا المشرع يستطيع أن يتعرف بما عرف عنه من حنكة وذكاء على الطبيعة الإنسانية التي يشرع لها، وبالتالي يضع التشريعات والقوانين المرنة التي تتفق مع هذه الطبيعة أولاً ومع التطور الزمني ثانياً .
لا توجد تشريعات وضعية صالحة لكل زمان ومكان خاصة وأن التشريعات الوضعية الثابتة هي التي تحد من التطور والإبداع الانساني ، و تقييم جدارة وكفاءة التشريعات الوضعية يتم بمقدار صلاحيتها لبناء تشريعات جديدة عليها لأن التغير التسلسلي الحلقي في التشريعات الوضعية من أهم العوامل المانعة لحصول الخلل التشريعي كما يقال و هو من أهم العوامل المؤدية إلى سهولة تأقلم العقل البشري مع التطبيقات التشريعية الموضوعة له، وبمقدار ما تكون التشريعات عادلة تسهل عملية التأقلم والمشرع المحنك يستطيع تأمين التوافق والتجانس بين تطبيق التشريع وبين قناعة المشرع له في هذا التطبيق، أي تأمين القناعة العقلانية لنتائج التطبيق و النتائج هي التي تبرهن على صحة القوانين والتشريعات الوضعية ، فكثير من النظريات وضعت لتنظيم حياة اقتصادية بصورة معينة أو لتحديد معالم لأهداف اقتصادية معينة ومدى ملائمتها للمشرع له أصبحت مع مرور الوقت غير مرغوبة مما يسبب الحرج لواضعها رغم التأييد الكبير لها من الوهلة الأولى، وبالتالي فإن الفارق الكبير الذي يزداد بين الهدف من التشريع وبين الرغبة من عدم تطبيقه ينجم منه فوضى اقتصادية لأن المشرع له يعيش في جو من التشريعات التي لا يرغبها وتنتابه الحيرة حول كيفية التعبير عن رأيه هل يكون عن طريق طلب التغيير او التعديل او التأقلم معها باعتبار أنه تم وضعها من قبل مفكرين وعلماء اقتصاد محنكين ولهذا فإن قبول المشرع له لآراء ونظريات موضوعة من قبل أشخاص فقط وهى ليست بالطريقة الصحيحة انطلاقاً من حب الذات في المساهمة في أي شيء يخضع لآثاره التطبيقية وهو ما نراه بصورة عادية ومبسطة وطبيعية عندما يثور المشرع له ضد شيء يتم إعداده من قبل غيره في حين أن هذا الاعتراض يزول عندما يساهم في هذا الإعداد ولو بنسبة ضئيلة جداً حتى ولو بلغت 1% ولو كان عند إبداء المشورة مثلاً ومن هنا تظهر الضرورة القصوى في إشراك أكبر عدد ممكن من المشرع له بوضع التشريعات والقوانين الاقتصادية التي تحكمها وهي القاعدة المطبقة في الإسلام حيث ألزم الله سبحانه وتعالى رسوله سيد الخلق أجمعين بمشورة قومه قبل إقدامه على اتخاذ أي قرار مصيري يتأثر المجموع من تطبيقه ، ورد في كتاب الله عز وجل {وأمرهم شورى بينهم} كما ورد في مكان آخر بصفة الأمر حيث ورد {وشاورهم في الأمر} لذلك نجد أن نتيجة إبداء الرأي بالنسبة لكل فرد ( المشرع له) يسقط حقه من الاعتراض على الشيء الذي كان وسبق وأن أبدى رأيه فيه والتي ثبت نجاعتها على مر العصور والأزمان لا يمكن أن يقتنع بخلاف لها ما لم يتم معرفة نتائجها التطبيقية.
وبالنسبة للنظريات التي يمكن ارتباطها بتنظيم الحياة الاقتصادية فإن كثيراً من المجتمعات شعرت بخطئها فيما بعد نتيجة لهذا التصرف وترى أنه كان من الأفضل لها أن يتم فحص النتائج التطبيقية قبل اعتمادها كنظريات صالحة للتطبيق حيث يصعب بعدها تغيرها، خاصة وأن المشرع أصبح مقتنعاً بفائدتها نتيجة للصلاحيات الممنوحة له لتطبيقها، إلا أنه قد لا يقبل بعض من وضع او خطط لهذه التشريعات والقوانين نتيجة للمعارضة التي يلاقيها من المنفذين لهذه التشريعات والقوانين ولكن على ما يبدو فإن تأثير الأدوات المنفذة للتشريعات والقوانين ضعيفة باعتباره تابعاً للسلطات الممنوحة له لتأدية وظيفته، والرأي الأول والأخير بالنسبة لصلاحية التشريعات والقوانين يعود إلى القاعدة العريضة من المشرع له حيث تبدو علاقة المشرع مع المشرع له علاقة قوية ومباشرة، فمن مصلحة المشرع أن يأخذ موافقة المشرع له قبل اكتساب التشريع الصفة الإلزامية نظراً لحصول أضرار ناتجة من التنافر الحاصل بين المشرع له والتشريع والمشرع قد يكون في غنى عن الخضوع للآثار السلبية الناجمة من هذا التنافر فيما لو عمد إلى إجراء عملية التطعيم التشريعي والقانوني وهي عملية تتم عند التطبيق التدريجي للتشريعات والقوانين و يمكن أن يطبق في بعض المناطق أو أن يطبق خلال فترة معينة أو تطبق على نوع معين من الأعمال، والقصد من كل ذلك ليس مضيعة للوقت وإنما فحص مدى التجاذب أو التنافر بين التشريع الجديد وبين المشرع له، كما يمكن معرفة مدى انسجام العادات والتقاليد والأعراف للتشريعات والقوانين الجديدة، لأن تلك التشريعات والقوانين توضع للتعامل مع النفس البشرية المعقدة وليس مع نفس ثابتة الأحلام والمبادئ والأهداف والرغبات، وخير ما يمكن استخدامه في التطبيق التدريجي هو استكشاف رأي المشرع له حول الشرح المفصل للتشريعات والقوانين مع الأخذ بعين الاعتبار الملاحظات والانتقادات المثارة حوله، وقد يقول البعض لماذا تم انشاء مجلس النواب المنتخب من قبل الشعب أليس لكي يمثل الشعب بالموافقة على التشريعات والقوانين ... أقول لربما هذا صحيح ولكن لماذا تصرفات بعض أعضاءه تتنافى مع برنامجه الانتخابي بمجرد جلوسه على كرسي المجلس وهو ما يتنافى عملياً مع البرنامج الانتخابي الذي رشح نفسه على أساسه... لذا فإنه ينبغي أن تكون التشريعات والقوانين محببة ومرغبة و مرنة وسهلة بحيث تتوافق مع الظروف المتغيرة و ملبية للاحتيجات المجتمعية الوطنية.
التشريعات الاقتصادية ومدلولاتها الحضارية


أريب محمد عبد الفني

لـكـل فرد في المجتمع حق على الآخرين.. كحرية العمل والعيش الكريم في ظل قوانين وتشريعات يقوم بوضعها الفرد بنفسه، أي أن الإنسان (الفرد) من حيث المبدأ هو الذي يضع الحدود والمبادئ والأسس التي تضمن تحقيق نوعية وصفة الأعمال المشروعة والأعمال الممنوع القيام بها لأنها لا تتناسب أو تتفق مع مصلحته الحياتية والإنسانية، فبمقدار ما تكون القوانين التشريعية محققة لهذه المصلحة يكون الفرد قد حقق إنسانيته بشكل آلي ويسقط حقه من إيجاد المبررات لظلمه من تطبيق القوانين التشريعية ، ولهذا فإنه من حيث المبدأ فإن الشعوب تعمل بصورة عامة على دراسة واقعها الذي يحفظ جميع أنواع الحياة السياسة والاقتصادية والاجتماعية و الثقافية ومقارنة ذلك بما هو عليه لدى الشعوب الأخرى، ومن ثم العمل على وضع الدساتير و القوانين التشريعية المناسبة لها، ولكن السؤال هنا.. هل يبقى معارض لهذه الدساتير والتشريعات رغم أنها أعدت حسب رغباته وهي أكثرية المجتمع حيث يمكن أن يحكم هذا المجتمع على كل إنسان لا يطبق الدستور والقانون المعد من قبله بأنه فرد شاذ أو منحرف باعتباره خارجاً عن رأي المجتمع ولهذا فإن كثيراً من المجتمعات تعمل للحصول على أكثر الآراء بالنسبة للموافقة على أي مشروع حتى تضمن على أقل معارضين له، رغم أن المعارضة حالة موجودة لدى أكثر الشعوب المتحضرة ولكن بنسب تتفاوت حسب نسبة الأكثرية الموافقة على الدستور أو القانون المقترح، أما من ناحية التاريخ الزمني الذي تطلب الإعداد لتلك التشريعات فلا يمكن مهما توخى المشرع في جعلها صالحة للاستخدام لأكبر فترة ممكنة، فإنه يعجز عن تحديد مدى هذه الفترة لوجود عوامل خارجة عن إرادته خاصة العوامل الحضارية التي تلعب دوراً كبيراً في ضرورة تعديل التشريعات، لكن السؤال... كيف يمكن أن نكيف بصورة مستمرة بين التشريعات وبين الحضارة المتطورة تطوراً سريعاً... وبالتالي لا يشكل عامل الفرق عجزاً يلعب في عدم تطوير مفهومنا لها تاركاً المجال للقدرات الفردية أن تسد النقص الحاصل بينها وبين الحضارة، وهل كل الأفراد لديهم القدرة على التعامل مع الحضارات الحديثة أو أنه يجب أن يبقوا متخلفين حضارياً من خلال تطبيقهم للتشريعات القائمة وهو بلا شك مؤشر على التأخر والتخلف بعينه... إذاً فإن للحضارة دوران رئيسيان يؤثران في التشريعات.. الأول في تكوينها، والثاني في تأمين التوافق بين الحضارة المتطورة والتشريعات، و الحاجة تستدعي تطوير التشريعات القانونية بحسب تطور الحضارة وإلا فإنه يحدث ضياع في المجتمع ولا يمكن تلافيه عن طريق رفع المعدلات الحضارية بالشكل الذي يتغلب معه المستوى الحضاري على التشريعات، والسؤال الذي يتبادر إلى الذهن هو... كيف يمكن أن نطور حضارتنا باعتبارها المنظم الأساسي لحياتنا المتبدلة بينما التشريعات هي الحد الأدنى التي تنظم العلاقات الاقتصادية والاجتماعية .. الخ ، أي أن التمسك بالتشريعات الدنيوية خلال فترة طويلة يعني بأننا كسالى ونرغب بالاعتماد على شيء قانوني يبرز أعمالنا غير الحضارية، متجاهلين العدالة الحقيقية الناتجة من التطور الحضاري ، فكثير من الناس يشكون من ظلم القوانين الدنيوية بينما لا يشكون من عدالة الحضارة وكم تكون الحضارة جميلة عندما يبتعد الجميع عن حل مشاكلهم باستخدام القانون كوسيلة الهدف منها ظلم وابتزاز الآخرين إلى استخدام الحضارة المتمثلة باحترام الحقوق المتبادلة،الذي يمثل تطبيقه الذاتي من قبل (الفرد) الإنسان قمة الحضارة، من هنا يمكن إبراز أن خير دليل على الأمم المتحضرة هو خلو محاكمها من الناس المتخاصمين، ولذلك نجد أن العلاقة وطيدة بين كتلة وحجم الناس الذي يشغلها حيز المحاكم وبين حضارة الشعب الذي أعدها لتحل مشاكله، بمعنى أخر هنالك علاقة عكسية بين هذه الكتلة البشرية الشاغله لكيان المحاكم وبين معدل الحضارة، فكلما نقصت الأولى زادت الثانية والعكس صحيح، وهو الأمر الذي يجعلنا نعطي للحضارة أهمية كبيرة ... و العوامل المساعدة على رفع الحضارة تكون بالعمل على تحسين مستوى مكوناتها الحضارية التي يجب أن يعتنى بها.
الـمادة والطموح
أريب محمد عبد الغني

إن عقل الإنسان مليء بالطموحات والآمال والرغبات و لا يوجد إنسان بدون طموح وهي الصفات التي تميزه عن الكائنات الحية الأخرى، و العوامل الأساسية المحركة لأعمال كل إنسان وتختلف نسبة احتوائها من عقل إلى آخر بنسب وجودها عنده فيقال بأن هذا الإنسان يحلم بأن يكون له منزل وسيارة ويستطيع قضاء عطلاته في أماكن جميلة، كما أنه يرغب في تعليم أولاده في مدارس وجامعات خاصة وتقديم الخدمات الطبية المناسبة، وإلى ما هنالك من الأحلام التي تحسن وضعه ووضع أسرته الـمعيشي، بينما غيره يحلم فقط أحلاماً محدودة المدى فهو يحلم مثلاً بأن يمتلك شقة في عمارة، إنني أتساءل هل هنالك إنسان مجرد من الطموح والجواب عليه بصراحة أننا لا نجد ذلك معدوماً عند الإنسان منذ وجوده على هذه الأرض وحتى تاريخه ولكن ما أريد أن أقوله هل يحقق الإنسان كافة الطموحات التي يحلم بها، وهو بحد ذاته طماع للحصول على كل شيء فهو لو أعطي الدنيا كلها لسأل عن المزيد... إذاً ما هي الحدود التي يمكن أن تحد من هذه الرغبات والطموحات لكي لا تكون نقمة على صاحبها نتيجة تصرفه ببعض التصرفات المنبوذة من قبل المجتمع وبالتالي فإن هذا الإنسان سوف يصاب بإحباط، و لربما ينقم على المجتمع الذي باعتقاده لا يعطيه ما يستحق، خاصة عندما يرى أن كثيراً من الناس يحققون طموحاتهم ورغباتهم على حساب جهود الآخرين بدون أن يتمتعوا بأية ميزة تمكنهم من الأخذ بكثير من الفوائد والمكاسب، وبالتالي فإنه لابد لأي مجتمع من وضع ضوابط ومعايير ويكون ذلك بربط العطاء بالأخذ مع تقديم المساعدة اللازمة لتحقيق هذا المبدأ، أي علينا أن ننمي هذه الطموحات والآمال لا أن نكبتها، و نكبت معها الحيوية والإبداع الإنساني و نحن بحاجة إليه لتطوير الاقتصاد وإصلاحه، وهذه البادرة لا تكون فقط بالأقوال إذ لا بد أن تكون مقرونة بالأفعال وذلك بأن نضع أولاً الرجل المناسب في المكان المناسب مع العمل على مساعدته بكافة الطرق والأساليب لكي يستطيع أن يحقق أحلامه وطموحاته الاجتماعية، و نقوم بتأهيله حسب إمكانياته العقلية والعضلية ونوع العمل الذي يتناسب مع قدراته، بحيث لا يشعر هذا الإنسان ضمناً بأننا نعاكسه بشكل خفي ضد تلقيه راتباً أفضل أو الحصول على مكافآت مادية أو امتيازات معينة وهو ما نعاني منه حالياً في تطبيق هذا الأسلوب، فنحن قد نشارك الموظف والعامل أو أي مواطن شعوره فنمنحه شهادة التقدير المناسبة ولكن هل هذه المشاركة كافية بدون أن تترجم إلى نواحي مادية يستفيد منها في تحقيق أمانيه وطموحاته ولكن لا نستطيع أن نقدم له الفائدة المادية تعويضاً عن الجهد المبذول من قبله، وقد سألني أحد الموظفين في إحدى الهيئات الحكومية ... أين يمكن أن تصرف شهادة التقدير هذه للوصول إلى الأمل الذي ينشده ألا وهو تأمين الحد الأدنى من مستوى المعيشة لعائلته وهو ما يمثل أضعف الأيمان لتحقيق الطموحات وهنا أريد أن أقول إن كثيراً من الموظفين والعاملين لا يستسيغون المراقبة المؤدية لمساعدتهم على تحقيق آمالهم وهو ما يتوقعه الأشخاص المكلفون برعاية الآمال والطموحات للاستفادة منها في عملية انجاز الأعمال والإنتاج جودة كماً ونوعاً خشية أن يفسر تعاملهم هذا بالتعالي والكبرياء ولهذا فإن على المدراء إنشاء علاقة أسرية فيما بينهم وبين مرؤوسيهم حتى يصرح هؤلاء المرؤوسين عما يختلج في نفوسهم من أماني وطموحات ورغبات وبالتالي استثمار كل ذلك في سبيل تشجيع الموظف و العامل للأقدام على التعلم وإلى بذل الـمزيد من الجهد العقلي والجسدي لتحسين أداء عمله ، خاصة عندما يتم اقتران الأقوال بالأفعال أي عندما ينفذ الـمدراء لوعودهم، كما أن نتيجة أي تجربة في هذا المجال سوف تكون قدوة للآخرين وهو بالنتيجة سينعكس فائدة على الاقتصاد الذي نعمل جميعنا على انعاشة.