السبت، 21 مايو 2011

الإعلام ودورة في تطويرالواقع

                                                                                        أريب محمد عبد الغني

يمكن قياس رقي المجتمعات عبر العصور بتطور طرق انتقال المعلومه، فمنذ ابتكار الكتابة واستعمال الحروف في اختراع الطباعة في القرن الخامس عشر الميلادي تم اكتشاف التلغراف في القرن التاسع عشر الميلادي والتلفزيون في القرن العشرين مرت الحضارة الانسانية بمراحل هامه تنوعة خلالها في خلق الرموز والاشارات وبرعة في استخدامها، وظل التخاطب الكتابي بواسطة ماتنتجه اصابع اليد الى تاريخ اكتشاف الة الطباعة والكتابة المدونه، وتــعرف الانســان علــى تشخيص الاشـاره بابتكار تقنيات عملية تحــول الاشــاره(الصوتية او الضوئية ) الى مجموعة ارقام حتى بلغت مابلغته بفضل تطور صناعة الكمبيوتر، ويعود الفضل للازدهار الذي شهدته هذه الصناعة بقدر ما الى ابي عبدالله بن موسى الخوارزمي الذي عاش من عام 770 الى 849 م وفتح اكتشافاتة وابحاثه افاق واسعه، اذ كان اول من وضع مفهوم اللوغرتم وكتشف المعادلات الجبريه التي هى اساس مفتاح الحاسوب والبرمجيات.

وفي عهد الرئيس الامريكي روزفلت اي حوالي سته وسبعون عام وردة الاشارة الاولى الى وضع شبكة اتصاليه على مستوى عالمي عن طريق الـبـــرنـامج الاصـــلاحـــي والــذي سمـى بـ نيودل (New Deal) ضمن خطة تكثيف الخطوط الهاتفية ومحولات الرفع من حواجز الاحتكار التي كانت قائمة انذاك بين الولايات والقطاعات ، وهدف الى فسح المجال امام الشركات الكبرى المتخصصة في مد الشبكات عبر التقنيات المتاحة، الا ان القيود الحمائيه والظروف الدولية لم تساعد على الانجاز الفعلي لهذا التصور المستقبلي الطموح.

وبعد الحرب العالمية الثانية ومنع البلدان المنهزمة من الاستثمار في قطاعات التسليح اتجه الاهتمام في اليابان بصوره خاصة الى البحث في القطاع الالكتروني ونظم الكمبيوتر ومن نتائج ذلك تم نشر بحث اكاديمي سنة 1972م بعنوان / خطه وطنيه للعبور نحو المجتمع الاعلامي قبل سنة 2000م وهو نتاج باحث ياباني وزمره من خبراء المعهد الياباني لتطوير استعمالات الحاسوب، وهدف البحث الى تهيئة اليابان لان تكون اول بلد ينتقل من المجتمع الصناعي الى مجتمع المعلومات في مستهل القرن الحادي والعشرين وقد اُستنتج من هذا البحث ان ادماج المعلومات ووسائل الاعلام سوف يؤدي الى نظام مشابه ( لشبكة الطرقات السريعة الالكترونية) المرتبطة ببعضها البعض والممتده عالمياً بدون حواجز ولاحدود واعتمد هذا المصطلح كرمز لمجتمع المعلومات قبل انتشار عبارة الطريقة السريعة للاعلام (Super Highway Information) وتنباء الباحثين بالتوصل سريعاً الى تذليل اخر العقبات الفنيه المتعلقه بنقل الصوره الرقميه بـالـسـرعة المــطـلـوبــة واللـــون الــمــطــابـق ولم تظهر بعد في تلك الفــتــرة كلـــمة (انترنيت) بل كــان الخـــبراء يـستـعملون عبـــارة الشبــكة العــالمــية للـكمــبــيــوتــر(Roseau Universal Ordinations) لتطوير مفهوم القنوات التي ستساعد على استخدام المعلومات في اوسع نطاق عالمي من خلال الاشارات الرقمية والنقل الالي المباشر للنص والصوت والصورة المتحركه.

وجاء في هذه الدراسه ان الشبكه العالميه للكمبيوتر سوف تحتوي على مجموعة لا تحصى ولاتعد من الخدمات التي تتصل بالفنون والعلوم والتربية والصناعة والتجاره والصحة والنقل والاداره العموميه والنشاط الحكومي وسوف تساعد على رفع الانتاجيه وزيادة الناتج الوطني وتوفير فرص التشغيل وتحسين نوعية الحياة.

كما ركزت تلك الدراسة على بروز مفهوم القوة الاعلاميه كطاقه جديدة قابله للتوزيع الالكتروني ولاحتلال مكانة كبرى تتجاوز مكانة الصناعة في الاقتصاد الوطني لاعتبار ان العبور نحو مجتمع مابعد الصناعي يحصل عندما يتسع قطاع الخدمات المعتمده على الاعلام ويتجاوز نسبة 50 % من الناتج المحلي العام.

ونبه هولاء الباحثون الى الانتقال من مجتمع الى اخر قد يمر بأزمات اقتصادية وضغوطات في مستوى التشغيل قبل اكتشاف انواع جديده من مظاهر العمل.

وطالبوا من اجل معالجتها بنظام عالمي جديد للاعلام حيث ستجد الحل الملائم لها بعد وضع نظم اتصال عالمية متيسره امام كافة البلدان والشعوب مساعده على التبادل ومتحرره من كل رقابة او ضغوط لايتحكم فيها سوى الضوابط التي يعتمدها المستخدمون بكل حرية ووعي.

اننا لانستطيع التكهن عن مضمون التحولات التي ستشهدها الانسانية مع بداية القرن الواحد والعشرين وكل مانستطيع معرفتة ان العولمة سوف تستند اساساً الى الثورة المعلوماتية والطريق السريع للاتصال والاعلام والتي سوف تساعد على تكثيف التجارة الالكترونية وتبادل الخدمات الاعلامية بين مختلف البلدان.

وهذا مايدعونا الى اكتشاف الافاق الايجابيه لهذا المجتمع الجديد واعداد خطة استراتيجية لتفادي مؤثراته السلبيه على اختلاف مجتمعنا.

ان ما نعرفه ايضاً هو ان التطور المذهل لقطاع الاعلام بمفهومه الواسع لم يفاجئ الباحثين المتخصصين في مراكز الدراسات والبحوث فهم الذين مهدو الثورة الاعلاميه العارمه واعدو العدة لما بعد العصر الصناعي، أي العصر الذي اطلقوا عليه تسمية المجتمع الاعلامي ( مجتمع المعلومات).

وحتى يكون لنا حضور والمساهمه في بناء هذا المجتمع فنحن مطالبون باستجلاء الاسس التي اعدت سراً وعلانيه لاقامته وتجسيمه منذ بداية القرن العشرين كما نحن بحاجه الى حصر الصعوبات والتحديات التي ستجابهنا ونضع الخطط الملائمة لتذليلها وتفاديها.

*باحث وكاتب متخصص بالشئون الاقتصادية

الصـــحـــافـــة والاقـتــصـــاد

                                                                                                   * أريب محمد عبد الغني

ان تفاعل الصحافة مع الموضوعات والتحقيقات الاقتصادية يأخذ بالاعتبار ثـــلاثــة مــصـــادر رئــيــســيـة فــــي حـــصـــولـها علــــــى الـمـعـلـــومــات وهــــــــى : الحـــكـومة ، رجال الاقتصاد ، دوائر الاعمال، ويرجع ذلك الى ان عرض الموضوعات والتحقيقات الاقتصادية تخاطب بشكل اساسي المعنيين والمنشغلين بالانشطة الاقتصادية.

لقد استجابت الصحافة من موقعها لمجريات الامور مع وجود توجة سياسي واتجاه حقيقي وفاعل لمعالجة كافة القضايا الاقتصادية في اطار سياسي وتوظيف التقارير الاقتصادية بأسلوب القص السياسي في عرض وجهات النظر والجدل الدائر حول المشاكل الاقتصادية واعتمد الصحفيون على المصادر الحكومية (الرسمية ) في التغطية الاعلامية وبذلك تميزت التقارير الصحفية بوجود دعم هائل من التغطية الحكومية،ونتيجة لذلك اصطبغت المناقشات العامة للقضايا والتغطية الاقتصادية بوجهة نظر(القائمين عليها).

والبعد الاقتصادي القائم في كافة القضايا السياسية والاجتماعية الهامة تطلب اطار اوسع  واشمل واعمق للمناقشة والحوار،واصبحت الصحافة الرسمية تتبنى منهجاً متعدد الاتجاهات والقطاعات في تغطيتها للانباء التي تقدم تقارير ومعلومات اكثر ملائمة للمواطنين ولاهتماماتهم.

والمتصفح للصفحات والملاحق الاقتصادية التي تقدمها الصحف والمجلات الرسمية والاهلية و الخاصة والحزبية اكدت على تفاعل الصحافة مع الاقتصاد ذلك انها مخصصة لخدمة دوائر الاعمال وغيرهم ممن يعتمدون على المطبوعات للحصول على معلوماتهم ونجدها في تغطية الانشطة الاقتصادية على وصف للمؤسسات الكبرى ونوعية نشاطها ومعدل نموها ومشروعاتها القائمة وحجم الاستثمار.

لقد ترسخت معايير الصحافة الاخباريه في هذا العصر حيث شهد تطور بعض المطبوعات الدعائية الصغيرة الى صحف تجارية توزع في المدن،وتحولت الصحف القومية العامة الى مجلات اخبارية دولية فضلاً عن ماتشهده من بروز الخدمات الاعلامية المختلفة وظهور جمهوراً محلياً ودولياً متحمساً،واظهرات وسائل الاعلام قوة ضاغطة واصبح البحث عن الاخبار من العادات الراسخة لدى المجتمعات الحديثة ، وفي العقود الاخيرة وبفضل التقدم الحادث في تكنلوجيا الاتصالات امكن توصيل الحدث وقت وقوعة لكل اجزاء العالم مما يؤكد على ضرورة معرفة اخر التطورات في العديد من المجالات، وساعد سرعة البث الاعلامي وتنوع الجمهور على تحديد بعض سمات الصحافة واهتمت المقالات الافتتاحية بتقديم مايرضي الجمهور للوصول الى قطاع عريض منهم، وشمل ذلك فيما شمل الاهتمام بتقديم الانباء في حينها دون اي تأخير والاهتمام بكافة جوانب العرض كالصراع والتشويق ونظراً لضرورة تخليص الحدث بسرعة ودقة يتعين التركيز على ان يجيب الخبر على الاسئلة من وماذا واين ومتى ولماذا وكيف.

وعلى الرغم من نمو حجم الصحافة الاقتصادية الا ان اسلوب المعالجة لم يؤدي الى تسهيل فهم العامة للقضايا الجارية او زيادة معلوماتهم في هذا المجال، ويتضح ان الانباء الاقتصادية مصممة خصيصاً لتلائم المجتمع الصغير المنخرط في ممارسة النشاط ذاتة ، فالتقارير الاخبارية تستخدم لغة متخصصة وكلمات رنانة صاغها خبراء ورددها الصحفيون دون مضمون او مناقشة مما ادى الى استبعاد المجمتع الاشمل عن مجريات الامور.

ومن ثم بات لزاماً على هيئات التحرير ان تبذل جهودها لتوسيع مضمون التقارير الاقتصادية التي تهم القطاع العريض من المجتمع ،ومن بين الاساليب الممكنة لتحقيق ذلك حشد الصحفيين ممن يعملون في المجالات العامة والمتخصصين للعمل معاً فالتعاون في كتابة التقارير والموضوعات الاقتصادية من شأنة العمل على توسيع نطاق المرجعية من اجل خدمة القراء.

ويعد التدريب من الوصفات التي غالباً ما ينصح بها كعلاج لعيوب الصحافة بشكل عام ولذلك يجب تشجيع المحررين على التدريب سواء العاملين في المجال العام او السياسي ولانشك ان التعرض للمجالات المتخصصة سيساعد الصحفيين على الخروج من قوالب الصحافة التقليدية ولفت انتباههم للتغيرات الجارية قبل فوات الاون.

لقد اشار الخبراء الى ان الصحافة الموجهة نحو الحدث تميل الى تقديم العالم في صورة اجزاء وشظايا وتصور التطورات في معزل عن سائر مجريات الامور، فالكوراث البيئية وتفشي الامراض تعرض كما لوكانت قد حدثت فجأه دون تحذير وهذه السرعة الخاطفة تكثف من عناصر الدراما في الحدث، فعنصر المفاجاءه يعد جزءاً من مقومات نجاح القصة الجيدة من منظور الصحافة ، اما الصحافة التي تهتم بالحدث كعملية متكاملة فتقلل من وقع المفاجاءة ، والصحفي الذي يتبع هذا الاسلوب لايهتم بتحقيق سبق صحفي وحصري ، وربما يترتب على هذا النهج قدر اقل من التشويق والاثارة الا انه يكشف الكثير من المعلومات والمعارف التي من شأنها مساعدة المواطنين على التأقلم مع اي ازمة تلحق بالمجتمع.

ومن المهم الاشارة الى انه لايمكن إلقاء اللوم على عاتق الصحافة فالجهات المسوؤلة عن تقديم المعلومات في الدوائر الحكومية والقطاع الخاص تلعب دوراً هاماً في فهم الصورة الكاملة للموقف وتحديد مكمن الخلل.

وفي الختام يمكن القول ان التوجة نحو اقتصاد السوق يتطلب وجود صحافة منفتحة  انفتاح كامل قادرة على عرض الوضع الاقتصادي بحلوة ومرة ووجود صحافة يقضة بامكانها ان تبرز الايجابيات والسلبيات.

ويتعيين على الصحفيين السعي وراء مصادر جديدة للمعلومات لتوسيع مجال وابعاد الموضوعات والتحقيقات الصحفية كما تحتاج مهنة الصحافة لتطبيق اساليب عملية جديدة ملائمة.

ولكي نتمكن من الاستجابة لمتطلبات العصر يجب علينا ان نكون قادريبن على اعادة التشكيل واكتساب مهارات جديدة والوصول الى المعلومات المطلوبة والاكثر ملائمة لاحتياجاتنا ومن منظور جزئي وشامل.

* باحث وكاتب متخصص بالشئون الاقتصادية 

التطور التقني والتكنولوجي واثره في تطور المجتمع

*اريب محمد عبدالغني




إن السؤال البديهي الذي نوجهه إلى أنفسنا... ما هدف التحول من انجاز اعمالنا بالورق الى الأتمتة؟ هل هو لغرض الترف أم أنه تم استحداثها وابتكارها لخدمة أعمال الإنسان شأنه في ذلك شأن الاكتشافات المفيدة والتي ظهرت خلال العمل الحضاري للإنسان في العقدين الأخيرين، والتي تجاوز عددها وأنواعها ما ظهر من مجمل اكتشافات خلال العقود السابقة، فقد ظهر علم الفضاء والذي استخدم لمعرفة إمكانية وجود الحياة على سطح الكواكب الأخرى، كما أن عامل النقل قد طرأ عليه تعديل كبير بحيث ينتقل الإنسان من مكان إلى آخر بسرعة وسهولة وراحة، ثم نرى نحن معشر المثقفين بأننا استطعنا أن نحصل على شيء يساعدنا في نقل العلم ومناقشته وحفظه والاستفادة منه عبر الأثير الذي هو البريد الإلكتروني وشبكة المعلومات العنكبوتية (الانترنيت).

إذاً فالاتصال الآن بين الافراد أصبح ميسراً وسهلاً إذ خلال ثوانٍ يمكن أن تخاطب أي شخص أو مؤسسة على مستوى الكرة الأرضية، كما أن المحاضر لا يستطيع أن يستغني عن الحاسوب حيث بواسطته يمكن كتابة المعلومات والتعامل بها عبر المعطيات الحاسوبية و البرمجيات، وكذلك يمكن أن يعدل النص المكتوب الكترونياً بإضافة أو إلغاء أو تغيير في وضع أحرفه أو إضافته لنص آخر، ولهذا نجد ان اضافة خبرة الحاسوب إلى الخبرات الأخرى التي يستعملها الإنسان في مزاولته لمهنته امر مهم وحيوي، حيث أن الحاسوب هو الصاحب في كل عمل، فالطبيب بحاجة للحاسوب لتسجيل المواعيد وأوصف المرض وتطوره خلال فترة زمنية مختلفة، ولهذا فإن على الطبيب أن يتعلم استخدام الحاسوب في المجال أو الاختصاص الطبي الذي يزاوله، وفي مهنة المحاماة وعملية بيع التجزئة والجملة وترتيب المخزون في المستودعات وإجراء الميزانيات والتسعير، أي أنه أصبح اليد الأولى للمحاسب في أعماله المحاسبية للمنشأة التي يديرها ، وكذلك فإن للحاسوب فائدة في مراقبة تحركات الكواكب والنجوم وحسابات علم الفضاء وفي تسيير المراكب الفضائية والطائرات، ولا تخلو مهنة من المهن من سيطرة الحاسوب على تسييرها وتسهيل حركتها، واصبح تعلم الحاسوب واجب على كل مهنة ، حتى أن الكومبيوتر هو الذي ينشط عملية الإبداع المطلوب توفرها في كل عمل.

إن تحديد المعيار للخبرة يختلف من أمة إلى أخرى حسب درجة الحضارة التي تتمتع بها تلك الأمة، فمثلاً هنالك دول كسويسرا تُعتَبرُ في عداد الدول المتحضرة ولكن حضارتها مغايرة لما عليه الحضارة الفرنسية أو الألمانية أو اليونانية، ولذلك فإن المعيار الذي يتم اعتماده في جامعات هذه الدول بالنسبة للخبرة يختلف عن الدولة الأخرى، فبعضها يصر على إخضاع الطالب المتقدم إليها إلى فحص قبول لتقييم خبرته العلمية ومقارنة ذلك مع المستوى العلمي المعتمد من قبلها، بينما بعضها الآخر يقبل الطالب على مستواه العلمي الصادر من الجهات العلمية من الدولة التي أجرى دراسته فيها ودون اللجوء إلى إجراء فحص القبول، وأخرى تصر على أن تحتوي أوراق نجاح الطالب في بلده على أرقام معينة من العلامات بالنسبة لبعض المواد وهكذا،صحيح أن الفرق الحضاري ما بين الدول المتحضرة أصبح قليلاً وأنها قد أنشأت اتحاداً اقتصادياً واحداً فيما بينها إلا أنه لازال كل شعب فيها يتمتع بخبراته الخاصة به حسب تقديراته الخاصة، ولربما تمسكهم بهذه المفارقة لمصلحة الاتحاد الأوروبي نظراً لأن المنافسة العلمية ضمن الاتحاد الواحد تساعد على النهوض بمستوى العلم، شأنها في ذلك شأن الأشياء الأخرى في حياة الناس، تعلم كل إنسان المكنز الذي يمتلكة ، والفارق العلمي ما بين الدول مرده إلى السياسة التربوية والعلمية المتبعة في كل منها، ونحن نخطى حين نأخذ بمعيار التعيين في الوظائف حسب الشهادات وليس حسب الخبرة والأداء والإبداع التي يبديها الموظف خلال فترة زمنية معينة، إذ أن اختيار الشخص في بعض الدول المجاورة يتم حسب المصدر العلمي المصدر للشهادة وإلى شهادات الخبرات السابقة التي حصل عليها من الجهات التي عمل بها سابقاً، حيث أن شهادة التخرج ليست سلعة تباع وتشترى حتى يتم تحديد راتب حاملها بصورة مسبقة، والإصلاح العلمي الهادف إلى ربط الخبرات بالعلم يجب أن يتم عبر تحرير التعليم حيث تتبارى كل مدرسة وجامعة علمياً مع الأخرى بناء على المتطلبات العلمية العالمية، أي أنه ينادى بالعولمة بالنسبة للنواحي المادية و الأجدى ايضاً بأن ينادى للعولمة العلمية خاصة في الدول التي يتعثر فيها العلم والتعلم نتيجة لوجود فلسفات عقيمة لاتستطيع ان تتحرر منها.

لا شك أن أصحاب الخبرات هم في غالب الأحيان يمتلكون ذكاءً وعقلاً مفكراً مقابل امتلاكهم لجيوب فارغة من المال اللازم لتمويل هذه الأفكار إلى حقيقة واقعة وملموسة، ولذلك فهم يبقون عادة تحت رحمة الأشخاص أو المؤسسات او الهيئات الحكومية التي يعملون فيها والذين ينعمون عليه بمكافأة أو بزيادة قليلة على الراتب في أفضل الحالات، وبالتالي فإن المبتكر يشعر بُغصَّة أنه قد ظُلِمَ في هذه الحياة، وكان يتمنى لو يمتلك المال الكافي ليتمكن من استثمار ابتكاره أو إبداعه بنفسه حيث يستطيع من خلالها أن يحقق النجاح المادي والمعنوي بشكل أفضل، ومن هذا المنطلق فإن افتتاح مصارف أو صناديق تمويلية للإبداع والابتكار سوف يحل مشكلة المبدعين مادياَ خاصة فيما إذا كان المصدر التمويلي قد تأكد من جدوى ربحية تنفيذ فكرة المبدع، حيث يكون هذا التأكيد بمثابة ضمان للمال المستثمر، وهنا أريد أن أؤكد على ناحية هامة وضرورية بأن افتتاح المراكز والمؤسسات المُمولة للإبداع بتأمين فرص عمل جديدة ذاتياً أي أنها نابعة من عقل الإنسان وتفكيره هي عملية ضرورية لامتصاص البطالة و افساح الخيرات امام الناس ، كما أنها في الوقت نفسه تعمل على الإقلال من البطالة الظاهرة والمقنعة لأنها تعمل على تغيير وضعها المادي، أي أن الحاجة هي أم الاكتشاف، إضافة إلى أن استثمار الإبداع يشكل مصدراً من مصادر تحسين الجودة عندما تنلفت إليه أنظار أصحاب المنشآت والمصانع والمشروعات الخدمية والانتاجية في كافة القطاعات الاقتصادية للاستفادة من النجاحات العلمية والتقنية المحققة والتي في كثير من الأحيان يستفاد منها في مجال تحسين منتجاتهم وخدماتهم كَمَّاً ونوعاً، وهو الأسلوب الذي اعتمدته المؤسسات الاستثمارية والتمويلية الانتاجية والخدمية والتسويقية في الدول المتحضرة، إذ تم استثمار المعدات المستخدمة في المركبات الفضائية والاتصالات العسكرية في إيجاد صناعات جديدة أو تحسين صناعات قائمة بالشكل الذي يقلل من التكلفة ويزيد من كمية المنتج التي تم التوصل إليها عن طريق الإبداع والابتكار.

وخير دليل على أهمية الإبداع الفكري لدى الدول المتحضرة تلك المبالغ الضخمة التي تدفعها من دافعي الضرائب للمبدعين والمبتكرين والحصول منهم على حق استثمار إبداعهم صناعياً وخدمياً وتسويقياً وتقنياً ... الخ ، كما أن كثيراً من الصناعيين الذين يرغبون باقامة اوتحديث صناعات لماركات مشهورة في بلادهم يدفعون مبالغ طائلة تحت اسم شراء الخبرة أو المعرفة التي يطلق عليها بالعرف الصناعي NOW HOW ، ولكن إلى متى يبقى العالم العربي مضطراً لشراء المعارف والخبرات من الدول المتحضرة والتي في الواقع خبرات غير ثابتة وإنما مطورة، وهذا يعني شراءنا للخبرات التي توصل إليها العالم المتحضر في وقت من الأوقات، وليس في جميع الأوقات وبالتالي فإن الفارق الحضاري في الصناعة مثلاً سوف يبقى قائماً بيننا والعالم المتحضر، وإلى متى نبقى عبيداً لخبرات العالم المتحضر؟ أما آن الأوان كي نشجع خبراتنا المحلية ونقلب العبودية إلى سيادة في تعداد الدول المتحضرة خاصة وأن هذا التحويل يساعدنا على زيادة وارداتنا من العملات الاجنبية والناجم من مبيعاتنا لخبراتنا وإبداعاتنا، هذا فضلاً عن أن هذه الإبداعات والخبرات سوف تؤدي إلى فتح أسواق جديدة لمنتجاتنا وخدمتنا وتشغل عمالة وتوطن لتكنولوجيا، أي أن استثمار الخبرات والإبداعات هو إحدى الوسائل المهمة التي يمكن استخدامها لإعادة بناء الكيان الصناعي بشكل سليم يتفق مع إمكانياتنا المادية والفكرية المحلية.

وفي الختام يمكن القول انه علينا ألا ننظر إلى مهندس الميكانيك أو الكهرباء بأن كل منهما مهندس فقط، بل ننظر إلى التأهيل الناجم من الخبرات والإبداع الذي يمكن أن يؤديه كل منهما، إضافة إلى نوعية العلم والتأهيل الجامعي الذي أدى بكل منهما إلى حمله اللقب العلمي بناءً عليه، وبرأيي فإنه يمكن إيصال هذه الناحية إلى طالب العلم حتى يستطيع أن يستفيد من علمه حيث ان تقييم العامل المهني يختلف بكثير من التقييم للعامل العادي، وذلك فيما إذا أردنا لأنفسنا أن نكون مسوقين لحضارتنا وبضائعنا وخدمتنا وأفكارنا وتصديرها إلى الخارج، ويمكن عندها ان نجري حواراً بفكر متطور مع انفسنا ومع الاخرين للوصول إلى رضي وقبول.