الاثنين، 28 مارس 2011

الحرف والصناعات اليدوية وأثرها على التنمية


أريب محمد عبد الغني


تحظى الحرف والصناعات اليدوية بإهتمام واسع في معظم دول العالم، وتتزايد الجهود المبذولة على المستويات الوطنية والإقليمية والدولية لتأكيد الأهمية الاجتماعية والثقافية للحرف كجزء من التراث الوطني في غالبية الدول، ولاينحصر الإهتمام على الجوانب الثقافية والإجتماعية بل يشمل الجوانب الاقتصادية وذلك لأهمية الإستفادة من الأمكانيات المتاحة سواء كانت تلك الأمكانيات تتعلق بالموارد البشرية التي تمتلك مهارات متميزه في الأنشطة الحرفية أو بزيادة الاستفادة من الخامات الأولية المتوفرة في البيئة المحلية والتي يمكن الإستفادة منها في تنمية وتفعيل مشاريع صغيرة أو متوسطة الحجم في مجال الصناعات التقليدية، كما تركز بعض الدول على تنمية مجال الحرف والصناعات اليدوية وذلك لأهمية منتجاتها في جذب السياح وزيادة أعدادهم.
الحرف والصناعات اليدوية: هي الصناعات التي يقوم بمزاولتها الحرفي معتمداً في عمله على مهاراته الفردية الذهنية واليدوية التي أكتسبها من تطور ممارسته للعمل الحرفي وذلك باستخدام الخامات الأولية المتوفرة في البيئة الطبيعية المحلية أو الخامات الأولية المستوردة بحيث يتم التعامل معها في الإنتاج بصورة يدوية أو باستخدام بعض العدد والأدوات البسيطة.
أهمية الحرف والصناعات اليدوية:  تنعكس أهمية الحرف والصناعات اليدوية في أن بعض المنتجات الحرفية ذات دلالة على جوانب الهوية الوطنية للدولة المنتجة للحرف والصناعات اليدوية، وفيما يلي عرض لأهمية الحرف والصناعات اليدوية:
الأهمية الثقافية :  بصفة عامة ينظر إلى الصناعات الحرفية اليدوية على أنها مرآة تعكس جانباً من جوانب الهوية الوطنية للبلد، وتعتبر تراثاً وطنياً تحافظ عليه معظم الدول كجزء من هويتها وأصالة شعوبها ورمزاً لعراقتها وحضارتها وتطورها وكانت الصناعات اليدوية حتى ماضي قريب تفي بكل متطلبات ومستلزمات المستهلك وكانت منتجاتها متوافقة مع الأنماط المعيشية السائدة في المدن والأرياف وتساهم بتوفير حاجات الإفراد المختلفة من ملبس وأثاث ومسكن وغيرها من مستلزمات الحياة اليومية في جميع الميادين وتبعاً للتغيرات الاقتصادية و الاجتماعية التي اجتاحت العالم  وأدت إلى تغيرات عميقة في سلوكيات وحاجيات الأفراد وأنماط الاستهلاك فقد أنحسر العمل في مجال الصناعات الحرفية وذلك بفضل التقدم والنمو الاقتصادي الذي بلغته المجتمعات الإنسانية والانتقال من مرحلة الإنتاج اليدوي إلى مرحلة التصنيع الآلي حيث شهدت منتجات الصناعات اليدوية في العالم تنافساً شديداً من جانب السلع المصنعة باستخدام الآلات ويرجع ذلك إلى أسباب منها القدرات الإنتاجية العالية للآلات أو إدخال التقنيات الحديثة إضافة إلى اكتشاف مواد خام جديدة بديلة واستخدامها كبديل للخامات المحلية، فضلاً عن زيادة تفضيل بعض المستهلكين للسلع أو المنتجات المصنعة آلياًلاسيما إذا صاحب ذلك انخفاض في سعرها وملامتها لخدمة حاجياته بصورة أفضل، ونتيجة لكل ذلك برزت اتجاهات مختلفة لمسألة التعامل مع الصناعات اليدوية، فهناك رأي ينظر إليها من منظور ضرورة الإبقاء عليها دون تجديد أو تعديل وهناك رأي ثاني يرى أن من الأكثر صواباً هو إدماج هذه الحرف في عجلة الصناعة الحديثة وإهمال ما لا يقبل الإدماج إلى أن يندثر تلقائياً، أما الرأي الثالث فيرى أن الصناعات اليدوية يجب التعامل معها كتراث وطني يلزم المحافظة عليه وكصناعة توفر فرصاً للعمل لامتصاص البطالة وتحسين مستوى الفرد سواء في الإنتاج والتسويق الذي يجب أن يتلاءم مع رغبات المستهلكين بصفة عامة ومع رغبات بعض الفئات الأخرى ذات الاهتمام باقتناء المنتجات اليدوية بصفة خاصة كالسواح مثلاً.
الأهمية الاجتماعية:  تعتبر البطالة مشكلة اجتماعية خطيرة ، فهي تمثل هدراً للطاقة وتترتب عليها الكثير من الآثار المدمرة على الفرد والمجتمع فالبطالة تقود إلى الجريمة وتؤدي إلى انفراط الأمن والاستقرارالاجتماعي وإلى كثير من العوامل الأخرى التي تهدد النسيج الاجتماعي والاقتصادي للمجتمع، ونظراً لهذه الآثار المرتبطة بالبطالة ، فإن التعامل مع هذه الظاهرة والقضاء عليها أصبح من أولويات السياسات والخطط التنموية للدول النامية والمتقدمة على حد سواء.. وتعتبر الصناعات اليدوية إحدى المجالات التي تساهم في حشد وتعبئة القوى العاملة الوطنية وتحسين مدى المشاركة في النشاط الاقتصادي وذلك من أجل دفع عجلة الاقتصاد وتحقيق التنمية وفي هذا السياق تعتبر إتاحة الفرصة لاستيعاب النساء العاملات وهى إحدى الوسائل الهامة لبلوغ ذلك الهدف، وتركز خطط التنمية التي يتم وضعها لزيادة فرص العمل وإيجاد وظائف جديدة ، وما يتم استحداثه من وظائف سيكون متاحاً خاصة أن الصناعات اليدوية هي أحد المجالات التي لا تتردد المرأة عن العمل فيها، لاسيما أن معظم العمل في المنزل دون الحاجة إلى الانتقال إلى أماكن العمل مما يعني أن هذا المجال يمتلك إمكانية تعبئة كافة الموارد البشرية غير المستغلة، أضف إلى ذلك فإن طبيعة العملية الإنتاجية والتسويقية المرتبطة بهذه الحرف تجعل من الذين لا يرغبون أو لا يستطيعون ترك مكان إقامتهم من مزاولة العمل في بعض الصناعات اليدوية بما يوفر لهم مصدراً للدخل لتحسن معيشتهم ويرفع من معنوياتهم.
الأهمية الاقتصادية :  يعتمد الإنتاج في الصناعات اليدوية بشكل رئيسي على الأفراد، وغالباً فإن النسبة بين رأس المال والعمالة منخفضة مقارنة مع الصناعات غير اليدوية، ونظرا لتدني النسبة بين رأس المال والعمالة فأن هذا المجال مصدرا قويا من مصادر توفير فرص العمل كما برهنت الصناعات اليدوية على أنها مصدر حيوي للعملات الأجنبية في عدد من الدول النامية حيث يساهم مساهمة كبيرة من إجمالي العملات التي تحصل عليها بعض الدول من تصدير المنتجات المصنعة في الدولة ويحتسب ذلك ضمن عائدات السياحة للدولة.
يمكن تلخيص الأهمية الاقتصادية للصناعات اليدوية في التالي:
1.     إمكانية إيجاد فرص عمل أكبر عن طريق تخصيص موارد أقل مقارنة بمتطلبات الصناعات الأخرى وقابليتها لاستيعاب وتشغيل أعداد كبيرة من القوى العاملة بمؤهلات تعليمية منخفضة.
2.     الاستفادة من الخامات المحلية وخاصة المتوفرة بكميات اقتصادية.
3.     تستطيع المرأة كأم وربة بيت من ممارسة الحرفة في الأوقات التي تناسبها ، وفي الأماكن التي تختارها أو حتى في منزلها .
4.     انخفاض التكاليف اللازمة للتدريب، لاعتمادها أساساً على أسلوب التدريب أثناء العمل فضلاً عن استخدامها في الغالب للتقنيات البسيطة غير المعقدة.
5.     المرونة في الانتشار في مختلف محافظات ومناطق الجمهورية التي يتوفر بها خامات أولية بما يؤدي إلى تحقيق التنمية المتوازنة بين الريف والحضر ويؤدي إلى الحد من ظاهرة الهجرة الداخلية ونمو مجتمعات إنتاجية جديدة في المناطق النائية .
6.     المرونة في الإنتاج والقدرة على تقديم منتجات وفق احتياجات وطلب المستهلك أو السائح .
الأهمية السياحية : تبين من بعض الدراسات المنشورة في بعض الدول أن مجال الحرف والصناعات اليدوية يساهم بدور إيجابي وفعال في التنمية السياحية ويعزى ذلك إلى أسباب تشجيع الزوار والسياح على شراء المنتجات التقليدية والاحتفاظ بها كتذكار أو توزيعها كهدايا ، كما أن القيمة التراثية للحرف أمر معترف به في المناطق السياحية في كافة دول العالم والعائد المادي هو العامل الأكثر أهمية في بقاء هذه الحرف حيث يلاحظ بصورة عامة أن أي سائح (بمفردة أو ضمن مجموعة)عند زيارته لأي دولة تكمن رغباته في اقتناء المنتجات الحرفية من تلك الدولة، وتتطلب الأهمية السياحية عملية تشجيع ودعم الصناعات اليدوية حتى يمكن توفير منتجات حرفية ذات نوعيات جيدة وبمواصفات ملائمة سواء فيما يتعلق بالحجم أو الشكل، لذلك لابد من مضاعفة الجهد والتصدي للمصاعب والعقبات التي تواجه الحرفي وهذا الأجراء يتطلب الجهد والتنسيق بين كثير من الجهات ذات الاهتمام بالحرف، ومن ذلك أهمية تنميه مستوى الوعي لدى المجتمع بأهمية الحرف وإيجاد أسواق ومنتجات جديدة مع تحسين أساليب العرض والتقديم وطريقة التغليف لبعض المنتجات الحرفية، على أن يصاحب ذلك تميز في الجودة والنوعية للمنتجات الحرفية وقد يلزم توفير فرص لتدريب العاملين في مجال الحرف لذلك لابد من دعم كافة الوسائل المتعلقة بالحرف والصناعات اليدوية، إضافة إلى تشجيع ودعم المساهمة النسائية في مجال الحرف اليدوية وزيادة أعداد المنتجين والبائعين والعمل أيضاً على تطوير الورش والأسواق الحرفية للوصول في النهاية إلى حرف وصناعات جيده ومتطورة تسهم بشكل جيد في النهوض بالصناعات اليدوية والاستفادة منها سياحياً في جميع المناطق .
المقترحات: لغرض تنمية الاستثمار في مجال الحرف والصناعات التقليدية وتطوير منتجاتها حتى تساهم بشكل فعال في التنمية الاقتصادية يقترح العمل على:
1.  وضع آلية فاعلة للتنسيق بين الجهات ذات العلاقة في مجال الحرف والصناعات التقليدية
2. التنسيق مع جهات مثل وزارة التعليم الفني والتدريب المهني في وضع البرامج التدريبية الهادفة إلى تنمية مهارات وقدرات الحرفيين خاصة للأجيال الناشئة منهم لإيجاد مصدر دائم لتزويد هذا القطاع بما يحتاجه من أيدي عاملة ماهرة تضمن استمرار وتداول الخبرات والمهارات الحرفية في مختلف الصناعات .
3.  استمرار مشاركة الحرفيين بصورة سنوية في المهرجانات الوطنية السنوية وغير السنوية للتراث والثقافة.
4. اختيار الصناعات الحرفية المميزة وإتاحة الفرصة لها في المشاركة في المعارض الدولية (الداخلية والخارجية ) التي تنظمها أو تشارك فيها بلادنا.
5. التنسيق مع البنوك والمؤسسات المالية المتخصصة والداعمة في مجال الإقراض لتمويل الصناعات الحرفية بشروط ميسرة وان يتضمن التمويل حوافز مشجعة تجعل الحرفي يقبل على استخدامه والاستفادة منه، ويمكن تقديمه بصيغ مختلفة حسب ظروف كل حاله.
6. الاهتمام بأنشطة تسويق منتجات الصناعات الحرفية داخلياً وخارجياً على أن تشمل هذه الأنشطة داخل البلاد كل من مراكز الحرفيين، الأسواق السياحية ، الفنادق، المتاحف، المطارات والموانئ، ، الحدائق العامة ، المعارض والمهرجانات.. أما التسويق الخارجي فيتمثل في المشاركات الخارجية لليمن في المعارض والمؤتمرات والأسواق الدولية وغيرها.
الاهتمام بتفعيل التعاون المشترك مع الجهات ذات العلاقة بالصناعات الحرفية في الدول على المستوى الإقليمي والدولي، والاستفادة من تجارب هذه الدول وذلك بالتنسيق مع الجهات المهتمة بالصناعات الحرفية في تلك الدول.

*باحث وكاتب متخصص بالشئون الاقتصادية

التنمية وتحديث الواقع الاقتصادي


أريب محمد عبد الغني
إذا كانت التنمية تعني تغيير الواقع الاقتصادي والاجتماعي إلى الأفضل من خلال الاستخدام الكامل والأمثل لما هو متاح من موارد بشرية ومادية ومالية وصولا إلى تامين الدخل اللائق للإفراد يمكنهم من إشباع رغباتهم المتعددة وتحقيق الرفاهية لهم فلابد من تأكيد حقيقة مفادها أن أي عملية تنموية لايمكن أن تقوم إلا من خلال وضع الخطط الناجحة والشاملة لجميع قطاعات الاقتصاد الوطني .
إن مفهوم التنمية كعملية معقدة متداخلة الجوانب لم يأخذ في الانتشار إلا حديثا فلم تعد التنمية تعني النمو الاقتصادي وان كان هذا النمو يمثل جوهرها وعمودها الفقري ، وإنما هي مجموعة متداخلة من التوجهات القصدية المتعددة الجوانب الساعية لإحداث تحولات أساسية في بناء المجتمع بكامله ولمصلحة أفراده جميعا فالنظر إلى أهداف التصنيع أو التنمية الزراعية أو التقدم التكنولوجي لا يتم بمعزل عن قضايا ومشاكل التخلص من المعوقات والمشكلات الاجتماعية والاقتصادية الداخلية والخارجية ومستوى التطور في ملكية وسائل الإنتاج  وأساليبه وعلاقاته ونوعية ومستوى المشاركة الجماهيرية وتفاعلاتها مع حركة التنمية المحلية والإقليمية والعالمية ، أن التنمية الاقتصادية والاجتماعية تتطلب في كثير من الأحيان مشاركة كل القوى الفاعلة في المجتمع وهذه المشاركة يطلق عليها عملية التنمية وهي تحقيق اكبر قدر من الدخل إذن ماذا نقصد بعملية التنمية ؟ أننا عندما نتكلم هنا عن التنمية فان القصد منها هو إشباع احتياجات أفراد المجتمع والمشاركة الخلاقة في تعبئة ما لديه من طاقات وموارد والانتفاع بكامل قواه البشرية، حيث لم يعد هناك اقتصاد مغلق على نفسه يستطيع أن يصمد في وجه رياح التغيير الاقتصادي العالمي الجديدة ، لقد أصبحت اقتصاديات البلدان النامية مفتوحة أمام النظام الاقتصادي العالمي الجديد الذي فتح الحدود أمام انتقال رؤوس الأموال بسرعة هائلة من دولة إلى أخرى وانتقال الأيدي العاملة أيضا بنفس السرعة بموجب التسهيلات التي تقدمها ثورة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، وانطلاقا من هنا يمكننا القول إن التنمية الحديثة هي التي تعتمد على تخطيط حديث غير تقليدي مرن متطور يمكنه استيعاب المتغيرات التي تحدث بالاقتصاد العالمي والقدرة على مواجهتها بحيث إن الوجه الجديد للتنمية أصبح يضم مفاهيم جديدة من بينها الاهتمام بمستوى دخول الأفراد ونوعية الخدمات الصحية التي تقدم إليهم وشكل النظام التربوي والنعليمي الذي يحتاجونه إضافة إلى جعل الاقتصاد قادر على التكيف والتغير مع المؤثرات الخارجية كالتضخم ووسائل الإنتاج والمعرفة القادمة من الخارج وكيفية حماية الاقتصاد والسوق المحلية من هذه التأثيرات مع القدرة على جعل الاقتصاد يحقق معدلات مقبولة من النمو توازي أو تسبق أو تتناسب مع حجم الموارد المتاحة إن كانت مادية او بشرية.

تصدير العمالة والخبرات



*أريب محمد عبدالغني


لايقل إيراد العمالة في أي دولة مصدرة عن إيراد أي بضاعة ثمينه فيما إذا تم العناية بها ورعايتها الرعاية التي تستحق، وتهيئتها في التخصصات النوعية والمحددة كعمالة ماهرة ذات قدرات احترافية  لتصديرها وفقاً لحاجة ومتطلبات الاسواق الخارجية التي تحتاج الى سد النقص والطلب من العمالة  لديها، وعلى هذا السياق يمكن الاستدلال على ذلك بان نورد التجربة الناجحة  للهند في هذا الاطار حيث بدأت بدخول مجال السباق لتحضير العمالة المطلوبة عالمياً منذ وقت لاباس به، لكي تعزز وتضيف إلى مواردها الاقتصادية ، وفوائد أخرى جمى، خاصة بعد أن اصبح الانفجار السكاني عبئاً وضغطاً كبيراً على عملية تنفيذ الاهداف والخطط التنموية الطموحة  للهند ، ودعت الحاجة الخلاص لقسم كبير من السكان عن طريق تهيئتهم للعمل في الخارج  لقاء شروط ومتطلبات عمل خاصة ونوعية لاتستطيع الحكومة خلقها وتأمينها لهم، لذلك لجأت إلى رفع مستوى التعليم في المدارس والمعاهد والجامعات والكليات إلى المستوى التعليمي والمعرفي الذي تعمل وتتقدم وتتطور به في مثيلاتها من الدول المتقدمة، والاستفادة من القاعدة العلمية المتاحة على ارضها وتوفيرها بتكلفة معقولة نسبياً مقارنة لما هي عليه تكلفت التعليم في البلاد المتقدمة أي أنها طبقت عنصر المنافسة العلمية والمعرفية الحديثة والنوعية، مما دفع بالبيوتات والشركات والمؤسسات المالية والصناعية والتجارية والاستثمارية... الخ  في العالم إلى ان تقبل على استيراد العمالة الهندية، وهو ما رجح الكفة وبقوة لصالح الهند في سوق المنافسة الدولية بسبب اعتماد الهند بشكل واسع وخاصة على تقنية البرمجة والتكنولوجيا الحديثة والمتطورة، وبالتالي اجرت اتفاقات مع أهم المصادر والمؤسسات العلمية التقنية والتكنولوجيا في الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الاوروبي وغيرها من الدول التي بحاجة الى تلك النوعية من العمالة، لتأهيل الشباب الهندي في هذا المجال وبخاصة ابتكار وتطوير وتحديث التصاميم للبرامجيات وتركيب الشبكات وتشغيل وتأمين صيانتها وحمايتها، كما أنها قامت بإعداد وتدريب وتأهيل الكادر الفني والإداري والتقني اللازم لدخول الأسواق واساليب التعامل معها، وهو ما نراه فعلياً في تجارة وتسويق التقنية والتكنولوجيا  وغيرها من المجالات الحديثة والمتطورة في أسواق دول الخليج واستطاع العقل الهندي السيطرة والاستحواذ على جزء كبير من السوق الخليجية في مجال العمالة الماهرة والرخيصة نسبياً وخاصة في مجال التقنية والتكنولوجيا.
يعود السبب في قدرت الهنود باستحواذهم على جزء كبير من السوق الخليجية في مجال تصدير العمالة الى القدرات والخبرات الواسعة التي اكتسبها العامل الهندي، حيث جرى تطويره وتأهيلة وتدريبة بزمن قياسي نسبياً، إضافة إلى رخص تكلفته التعليمية والتدريبية والتأهيلية بصورة عامة مقارنة بالخبرات الاجنبية المستوردة من دول أخرى، كما ان الهند  قد عملت من سابق على أعداد نفسها لتصدير مدراء البنوك ومدراء الشركات والمعلمين والعمال الفنيين والمتخصصين بعملية بناء الطرق والجسور والأسواق .. الخ، بالطريقة الحديثة ووفق المتطلبات الدولية المعمول بها، ونظراً لأن نسبة العمالة الهندية الاعلى في دول الخليج الأمر الذي اجبر السكان المحليين ان يتعلموا اللغات الاجنبية وخاصة  اللغة الإنجليزية، لكي يستطيعوا أن يتعايشوا مع هذا الكم الهائل من الناس ومن مختلف الجنسيات الذين يعملون في منطقة تعد واحدة من أهم الشراين الاقتصادية المتدفقة في العالم، وتم معالجة استمرارية وحيوية الهنود بالمحافظة على تطورهم العلمي أثناء عملية الاغتراب باهتمامهم وبشكل دائم ومستمر بتعليم أبنائهم، وبالتالي أعدو انفسهم لكي يكونو مصدر دعم للاقتصاد الهندي وبتواصل دائم ومستمر، لا بل إنهم شكلوا نواة تغذى بالمعلومات والامكانيات اللوجستية اللازمة للراغبين من الشباب بالالتحاق بهم في سوق العمل في دول الاغتراب والمهجر، ولهذا نرى وبشكل واضح وجلي أن عملية سيطرت واستحواذ العمالة الهندية في دول الخليج كانت ومازالت في تزايد وارتفاع مستمر، لذلك نجد ان الحكومات الخليجية تنبهت لهذه المسألة وبتبعاتها على المستوى المستقبلي وتاثيراتها على السكان اجتماعياً وثقافياً وبالتالي انعكاسها على امنها واقتصادها، فبدأت باعتماد القيود التي لاتسمح بالوصول الى  ذلك ومن أهمها: تطوير مناهجها التعليمية بحيث تستطيع مع مرور الزمن أن تستبدل وتجري الاحلال اللازم للعمالة الأجنبية المستوردة بالعمالة المحلية المؤهلة والمدربة والقادرة على مسك زمام الامور بالتحكم والادارة وفق خطط  ممنهجة قصيرة وطويلة المدى.
وعلى العموم فإن ذلك الاتجاه لن يؤثر على الاطلاق في نمو الاقتصاد الهندي الذي عمل العقل الهندي على تجاوز تأهيل وتدريب العمالة إلى مستوى عالمي بحيث فتحت ألمانيا وعلى سبيل المثال لا الحصر أبوابها للعمالة الهندية وخاصة في المجالين التقني والتكنولوجي مانحة الإغراءات الكفيلة بجلب الشباب المثقف والمتمكن تقنياً وتكنولوجياً إلى الاغتراب والهجرة والعمل فيها، وطبعاً فان حصة مساهمة الشباب الهندي من هذا الاغتراب وفرص العمل تعد بنسبة كبيرة وعاليه، وكان من أهم هذه الإغراءات منحهم الجنسية الألمانية فورياً ، تجدر الاشارة الى ان العامل الذي ساعد على استيعاب العمالة الأجنبية ولاسيما منها الهندية  في ألمانيا هو التناقص المستمر للسكان لديها بصورة عامة واحتياجاتها  المتصاعد من العمالة المتخصصة والماهرة بصورة خاصة، وفضلت بأن تجري عملية التطعيم السكاني باستيراد الافراد الذين يساعدونها على قوة  نموها الاقتصادي والمحافظة على رخائها المجتمعي وتمثل المانيا القوة الاقتصادية الكبرى في الاتحاد الأوروبي واحدى اقطاب الاقتصاد العالمي.
وكم كنت اطمح ان تكون العمالة اليمنية وطوال السنوات العشرين الماضية وحتى اليوم قد اعدت نفسها لتكون الأجدر على القيام بهذه المهمة العلمية والعملية لنكون اليوم مستعدين أن نصدر الاعداد الزائدة عن حاجتنا في السوق المحلية وبدون ان يؤثر ذلك على مخزوننا البشري من طاقات المهندسين والمبرمجين والفنيين في هذ المجال العلمي والعملي الحيوي والتي بلا شك ان الدولة ساهمت وقدمت الدعم المادي والمعرفي المباشر والسخي  بابتعاثها اعداد كبيرة للخارج  للدراسة لصقل المواهب والابدعات المكنونة لدى ابنائها ليعودوا فيما بعد الى البلد مشكلين النواة المعرفية والعملية اللازمة والقادرة على ان تخرج اعداد مضاعفة داخل البلد فيما بعد، ولكن السؤال الذي يتبادر الى الذهن اين ذهب الخريجين والمبدعين والمبتكرين العائدين من الدول التي ابتعتثهم وتبتعثهم الحكومة للخارج ممثلة بمؤسستنا التعليمة والعلمية والمعرفية وعلى وجه الخصوص علم الحاسوب والبرمجيات وهندسة الكمبيوتر ونظم المعلومات ... الخ؟ وماذا حققوا للبلد بعد كل هذا المجهود الذي بذل طوال السنوات العشرين الماضية و صرفت عليهم الاموال الطائلة في سبيل تحقيق اغلى وانبل غاية وهى خدمة وطننا ومجتمعنا ؟ وأذكر في هذا المجال بأن خطأ كبيراً قد ارتكب من قبل مؤسساتنا التعليمة الرسمية في هذا المجال عندما خرجت اعداد كبيرة من شببانا الى السوق المحلية بدون وجود رؤية وحاجة واضحة او استراتيجية عملية للاستفادة منهم واستيعابهم في سوق العمل المحلية لذلك اجزم بأن الكثير منهم قد اصبحوا اما عاطلين عن العمل او يمارسوا مهن غير ذات جدوى اقتصادية علمية وعملية وتقنية وتكنلوجيا لصالح البلد والنهوض به، إذاً لقد خسرنا كوطن إيراداً ضخماً وفوائد جمى واهدرنا طاقات بشرية و مادية وعلمية وعملية ووقت وجهد كان من المفترض والمؤمل منه ان يوجه ويسخر لتطوير اقتصادنا ومجتمعنا وتسريع وتائر السير في طريق التقدم الحضاري الذي ننشده جميعنا،إضافة إلى صنع النواة الحقيقية والقوة العلمية والعملية الضرورية والمغذية للتنمية والبناء للوصول الى الرخاء المنشود و للاستمرار في قدرتنا الحيوية والعملية على  تصدير العمالة بالصورة النوعية والكيفية الجديدة والمتطورة، خاصة عندما تعمل هذه النواة على تعليم وتدريب وتأهيل العناصر اللازمة و الشابة الراغبة في بناء وطنها  او الطامحة الى الاغتراب والهجرة، ولتوسيع الخيارات امام الباحثين عن فرص عمل في الداخل والخارج.
تبرز اهمية تصدير العمالة الى الخارج في انها تتمتع بثلاث فوائد عملية : الأولى: جلب الإيرادات والتحويلات النقدية والمالية والمستثمرين ورؤس اموال المغتربين والمهاجرين بالخارج وبالعملات الأجنبية الى داخل البلاد ذلك ان البلد لها حق على مغتربيها ومهاجريها طالما انها قدمت ووفرت لهم الدعم السخي واستطاعت ان تربطهم بوطنهم وبكل الوسائل والامكانيات الممكنة، والثانية: هو المساعدة بالحفاظ على مستوى الدخل ذلك ان العاطل عن العمل يقاسم العامل رزقه، أي أن العاطل عن العمل يشكل عبئاً مادياً على الشخص العامل في الاسرة الواحدة، وبالتالي يوسع الاغتراب والهجرة المجال في ايجاد فرص عمل للعاطلين عن العمل ويوسع الخيارات امامهم، والثالثة: انتشار العمالة اليمنية على المستوى الاقليمي والعالمي يمثل قوة دعائية وترويجية وتسويقية لنا كوطن يمتلك كل مقومات التطور والتحضر والرخاء، حيث يمكن اعتبار العمال اليمنيين سفرائنا في الخارج  يساعدوننا على اتساع الصلة والتواصل والترابط بالعالم الخارجي من جهة ومن جهة اخرى يعزيز اتجاهنا وانفتاحنا على العالم، ويمنحنا الوسيلة الفعالة للتعريف بحضارتنا ومنتجاتنا في بلادن الاغتراب والمهجر.


*باحث وكاتب متخصص بالشئون الاقتصادية

جودة المنتج من جودة العامل



*أريب محمد عبد الغني
لابد من أن نبحث عن وضع المشاريع الاستثمارية الناجحة على صعيد الجودة والعمالة والتصدير ، فمن حيث جودة الأداء المتعلق بناحيتين هامتين وهما: مواصفات العامل ومواصفات المنتج والذي يمكن أن يبرهن عليهما من خلال الجواب على السؤال التالي: هل العامل قد شغل مكانه بحق؟ أي استنادا إلى علمه وخبرته وعمله مما جعل العامل يعيش ضمن الحب المتبادل بينه وبين عمله، هو عامل يمتاز بمميزات تختلف كثيرا عن عامل يتعارك يوميا مع عمله، وبالتالي فإن صاحب العمل يكون هو الخاسر الوحيد عندما يعين عامل غير مهني ((non professional)) بسبب راتبه المنخفض، نظرا  لأن ما نحصل عليه من نتائج اقتصادية لدى العامل الأول هي أفضل بكثير مما يقدمه إلينا العامل الأخير، فالعامل المهني يستطيع أن يقدم الجودة (الكمية والنوعية) المطلوبتين وبالوقت المحدد، لا بل يستطيع أن يتجاوز الحد المطلوب في كل من هذه العوامل ، فيما إذا تم التعامل معه على أساس تطبيق نظام المكافآت والحوافز والامتيازات بالنسبة للعامل الذي ينتج كميات تزيد عن الحد الطبيعي نتيجة لازدياد اهتمامه بالعمل، بحيث يختصر الوقت الضائع ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، إضافة إلى عمله ساعات إضافية خارج أوقات عمله النظامية، سواءً أكان ذلك ببقائه في العمل بعد انتهاء ساعات الدوام، أم بالحضور إلى مكان العمل أيام العطل الرسمية والعادية.
كما أننا نلاحظ أن هذا العامل المهني يستطيع أن يطور نفسه فنياً من خلال تفاعله مع الآلة، حيث تصبح جزءاً لا يتجزأ من حياته اليومية، لأن فترة بقائه معها تزيد عن أي فترة يقضيها مع عائلته أو أصحابه، فهو يعرف آلامها وأعطالها ويلجأ إلى العلاج الفوري لحل مشاكلها، لأنها بالمقابل لا تبخل عليه في منحه المكاسب المادية والسعادة لأجل ذلك، والتي أصبحت الأساس للحياة الروحية في عصر أصبح يسيطر عليه عنصر المادة في تعامل البشر فيما بينهم، كما نلاحظ تفاعلاً آخر ما بين العامل والإنتاج حيث يصبح المُنتَج جزءاً من عطاء العامل يماثل في ذلك تعاطي العامل الطعام واللباس ومختلف حاجياته الخاصة، تلك الأعمال التي يزاولها لكي ينعم بالحياة والعيش الكريم، ولهذا فإننا نراه منزعجاً نفسياً عندما يرى ويشاهد أن الإنتاج لم يعد يُنجزُ حسب المتطلبات المحددة من صاحب العمل، كما أن عنصر المنافسة يشتد فيما بينه وبين العمال الآخرين في امكان أخرى عندما يرى بأنهم قد ابتدعوا فكرة إنتاجية أدت إلى ارتفاع في رقم أعمالهم جودة ( كمية ونوعية).
إذاً، يمكن أن نعتبر أن هناك مراقبة ذاتية على وضعهم الإنتاجي، وهو ما يساعد في الواقع على التخفيف من الاعتماد على المراقبة الإدارية، حيث في الحالة الأولى التي اوردت ذكرها في بداية المقال تسود المحبة والإخاء بين العامل والإنتاج، بينما تسود حالة من الشك والريبة وفقدان الثقة ما بينهما في الحالة الثانية،ولهذا فإن تطبيق نظام المكافأت والحوافز والامتيازات واعطاء العامل المجد والمخلص في عملة ما يستحقة من الاهتمام والرعاية يبقى الدواء الوحيد لعلاج تفعيل الحالة الأولى، وإذا ما تركنا الجانب الاقتصادي للبحث في تأثير قوة الاقتصاد على الـمواقف الاقليمية و الدولية فإننا نرى على ضوء علاقتنا الاقتصادية معها، وهو ما يعتبر الطريق المؤدي إلى تسوية علاقاتنا الاقليمية والدولية  بسبب اتساع المصالح الاقتصادية بيننا وبين تلك الدول، فالاقتصاد اليوم هو الذي يقوي قناعة الدول الاخرى ببلادنا بسبب امكانية تمتع سلعنا بوضع تنافسي اقليمي وعالمي، وهو ما يستدعي الاهتمام بالمشاريع الاستثمارية الإنتاجية المفيدة وأقصد بالمفيدة  المشاريع ذات الإنتاج المنافس على مستوى الاسواق المحلية والخارجية.

*باحث وكاتب متخصص بالشئون الاقتصادية