الاثنين، 28 ديسمبر 2009

الحرف والصناعات اليدوية وأثرها على التنمية

أريب محمد عبد الغني


تحظى الحرف والصناعات اليدوية بإهتمام واسع في معظم دول العالم، وتتزايد الجهود المبذولة على المستويات الوطنية والإقليمية والدولية لتأكيد الأهمية الاجتماعية والثقافية للحرف كجزء من التراث الوطني في غالبية الدول، ولاينحصر الإهتمام على الجوانب الثقافية والإجتماعية بل يشمل الجوانب الاقتصادية وذلك لأهمية الإستفادة من الأمكانيات المتاحة سواء كانت تلك الأمكانيات تتعلق بالموارد البشرية التي تمتلك مهارات متميزه في الأنشطة الحرفية أو بزيادة الاستفادة من الخامات الأولية المتوفرة في البيئة المحلية والتي يمكن الإستفادة منها في تنمية وتفعيل مشاريع صغيرة أو متوسطة الحجم في مجال الصناعات التقليدية، كما تركز بعض الدول على تنمية مجال الحرف والصناعات اليدوية وذلك لأهمية منتجاتها في جذب السياح وزيادة أعدادهم.

الحرف والصناعات اليدوية: هي الصناعات التي يقوم بمزاولتها الحرفي معتمداً في عمله على مهاراته الفردية الذهنية واليدوية التي أكتسبها من تطور ممارسته للعمل الحرفي وذلك باستخدام الخامات الأولية المتوفرة في البيئة الطبيعية المحلية أو الخامات الأولية المستوردة بحيث يتم التعامل معها في الإنتاج بصورة يدوية أو باستخدام بعض العدد والأدوات البسيطة.

أهمية الحرف والصناعات اليدوية: تنعكس أهمية الحرف والصناعات اليدوية في أن بعض المنتجات الحرفية ذات دلالة على جوانب الهوية الوطنية للدولة المنتجة للحرف والصناعات اليدوية، وفيما يلي عرض لأهمية الحرف والصناعات اليدوية:

الأهمية الثقافية : بصفة عامة ينظر إلى الصناعات الحرفية اليدوية على أنها مرآة تعكس جانباً من جوانب الهوية الوطنية للبلد، وتعتبر تراثاً وطنياً تحافظ عليه معظم الدول كجزء من هويتها وأصالة شعوبها ورمزاً لعراقتها وحضارتها وتطورها وكانت الصناعات اليدوية حتى ماضي قريب تفي بكل متطلبات ومستلزمات المستهلك وكانت منتجاتها متوافقة مع الأنماط المعيشية السائدة في المدن والأرياف وتساهم بتوفير حاجات الإفراد المختلفة من ملبس وأثاث ومسكن وغيرها من مستلزمات الحياة اليومية في جميع الميادين وتبعاً للتغيرات الاقتصادية و الاجتماعية التي اجتاحت العالم وأدت إلى تغيرات عميقة في سلوكيات وحاجيات الأفراد وأنماط الاستهلاك فقد أنحسر العمل في مجال الصناعات الحرفية وذلك بفضل التقدم والنمو الاقتصادي الذي بلغته المجتمعات الإنسانية والانتقال من مرحلة الإنتاج اليدوي إلى مرحلة التصنيع الآلي حيث شهدت منتجات الصناعات اليدوية في العالم تنافساً شديداً من جانب السلع المصنعة باستخدام الآلات ويرجع ذلك إلى أسباب منها القدرات الإنتاجية العالية للآلات أو إدخال التقنيات الحديثة إضافة إلى اكتشاف مواد خام جديدة بديلة واستخدامها كبديل للخامات المحلية، فضلاً عن زيادة تفضيل بعض المستهلكين للسلع أو المنتجات المصنعة آلياًلاسيما إذا صاحب ذلك انخفاض في سعرها وملامتها لخدمة حاجياته بصورة أفضل، ونتيجة لكل ذلك برزت اتجاهات مختلفة لمسألة التعامل مع الصناعات اليدوية، فهناك رأي ينظر إليها من منظور ضرورة الإبقاء عليها دون تجديد أو تعديل وهناك رأي ثاني يرى أن من الأكثر صواباً هو إدماج هذه الحرف في عجلة الصناعة الحديثة وإهمال ما لا يقبل الإدماج إلى أن يندثر تلقائياً، أما الرأي الثالث فيرى أن الصناعات اليدوية يجب التعامل معها كتراث وطني يلزم المحافظة عليه وكصناعة توفر فرصاً للعمل لامتصاص البطالة وتحسين مستوى الفرد سواء في الإنتاج والتسويق الذي يجب أن يتلاءم مع رغبات المستهلكين بصفة عامة ومع رغبات بعض الفئات الأخرى ذات الاهتمام باقتناء المنتجات اليدوية بصفة خاصة كالسواح مثلاً.

الأهمية الاجتماعية: تعتبر البطالة مشكلة اجتماعية خطيرة ، فهي تمثل هدراً للطاقة وتترتب عليها الكثير من الآثار المدمرة على الفرد والمجتمع فالبطالة تقود إلى الجريمة وتؤدي إلى انفراط الأمن والاستقرارالاجتماعي وإلى كثير من العوامل الأخرى التي تهدد النسيج الاجتماعي والاقتصادي للمجتمع، ونظراً لهذه الآثار المرتبطة بالبطالة ، فإن التعامل مع هذه الظاهرة والقضاء عليها أصبح من أولويات السياسات والخطط التنموية للدول النامية والمتقدمة على حد سواء.. وتعتبر الصناعات اليدوية إحدى المجالات التي تساهم في حشد وتعبئة القوى العاملة الوطنية وتحسين مدى المشاركة في النشاط الاقتصادي وذلك من أجل دفع عجلة الاقتصاد وتحقيق التنمية وفي هذا السياق تعتبر إتاحة الفرصة لاستيعاب النساء العاملات وهى إحدى الوسائل الهامة لبلوغ ذلك الهدف، وتركز خطط التنمية التي يتم وضعها لزيادة فرص العمل وإيجاد وظائف جديدة ، وما يتم استحداثه من وظائف سيكون متاحاً خاصة أن الصناعات اليدوية هي أحد المجالات التي لا تتردد المرأة عن العمل فيها، لاسيما أن معظم العمل في المنزل دون الحاجة إلى الانتقال إلى أماكن العمل مما يعني أن هذا المجال يمتلك إمكانية تعبئة كافة الموارد البشرية غير المستغلة، أضف إلى ذلك فإن طبيعة العملية الإنتاجية والتسويقية المرتبطة بهذه الحرف تجعل من الذين لا يرغبون أو لا يستطيعون ترك مكان إقامتهم من مزاولة العمل في بعض الصناعات اليدوية بما يوفر لهم مصدراً للدخل لتحسن معيشتهم ويرفع من معنوياتهم.

الأهمية الاقتصادية : يعتمد الإنتاج في الصناعات اليدوية بشكل رئيسي على الأفراد، وغالباً فإن النسبة بين رأس المال والعمالة منخفضة مقارنة مع الصناعات غير اليدوية، ونظرا لتدني النسبة بين رأس المال والعمالة فأن هذا المجال مصدرا قويا من مصادر توفير فرص العمل كما برهنت الصناعات اليدوية على أنها مصدر حيوي للعملات الأجنبية في عدد من الدول النامية حيث يساهم مساهمة كبيرة من إجمالي العملات التي تحصل عليها بعض الدول من تصدير المنتجات المصنعة في الدولة ويحتسب ذلك ضمن عائدات السياحة للدولة.

يمكن تلخيص الأهمية الاقتصادية للصناعات اليدوية في التالي:

1. إمكانية إيجاد فرص عمل أكبر عن طريق تخصيص موارد أقل مقارنة بمتطلبات الصناعات الأخرى وقابليتها لاستيعاب وتشغيل أعداد كبيرة من القوى العاملة بمؤهلات تعليمية منخفضة.

2. الاستفادة من الخامات المحلية وخاصة المتوفرة بكميات اقتصادية.

3. تستطيع المرأة كأم وربة بيت من ممارسة الحرفة في الأوقات التي تناسبها ، وفي الأماكن التي تختارها أو حتى في منزلها .

4. انخفاض التكاليف اللازمة للتدريب، لاعتمادها أساساً على أسلوب التدريب أثناء العمل فضلاً عن استخدامها في الغالب للتقنيات البسيطة غير المعقدة.

5. المرونة في الانتشار في مختلف محافظات ومناطق الجمهورية التي يتوفر بها خامات أولية بما يؤدي إلى تحقيق التنمية المتوازنة بين الريف والحضر ويؤدي إلى الحد من ظاهرة الهجرة الداخلية ونمو مجتمعات إنتاجية جديدة في المناطق النائية .

6. المرونة في الإنتاج والقدرة على تقديم منتجات وفق احتياجات وطلب المستهلك أو السائح .

الأهمية السياحية : تبين من بعض الدراسات المنشورة في بعض الدول أن مجال الحرف والصناعات اليدوية يساهم بدور إيجابي وفعال في التنمية السياحية ويعزى ذلك إلى أسباب تشجيع الزوار والسياح على شراء المنتجات التقليدية والاحتفاظ بها كتذكار أو توزيعها كهدايا ، كما أن القيمة التراثية للحرف أمر معترف به في المناطق السياحية في كافة دول العالم والعائد المادي هو العامل الأكثر أهمية في بقاء هذه الحرف حيث يلاحظ بصورة عامة أن أي سائح (بمفردة أو ضمن مجموعة)عند زيارته لأي دولة تكمن رغباته في اقتناء المنتجات الحرفية من تلك الدولة، وتتطلب الأهمية السياحية عملية تشجيع ودعم الصناعات اليدوية حتى يمكن توفير منتجات حرفية ذات نوعيات جيدة وبمواصفات ملائمة سواء فيما يتعلق بالحجم أو الشكل، لذلك لابد من مضاعفة الجهد والتصدي للمصاعب والعقبات التي تواجه الحرفي وهذا الأجراء يتطلب الجهد والتنسيق بين كثير من الجهات ذات الاهتمام بالحرف، ومن ذلك أهمية تنميه مستوى الوعي لدى المجتمع بأهمية الحرف وإيجاد أسواق ومنتجات جديدة مع تحسين أساليب العرض والتقديم وطريقة التغليف لبعض المنتجات الحرفية، على أن يصاحب ذلك تميز في الجودة والنوعية للمنتجات الحرفية وقد يلزم توفير فرص لتدريب العاملين في مجال الحرف لذلك لابد من دعم كافة الوسائل المتعلقة بالحرف والصناعات اليدوية، إضافة إلى تشجيع ودعم المساهمة النسائية في مجال الحرف اليدوية وزيادة أعداد المنتجين والبائعين والعمل أيضاً على تطوير الورش والأسواق الحرفية للوصول في النهاية إلى حرف وصناعات جيده ومتطورة تسهم بشكل جيد في النهوض بالصناعات اليدوية والاستفادة منها سياحياً في جميع المناطق .

المقترحات: لغرض تنمية الاستثمار في مجال الحرف والصناعات التقليدية وتطوير منتجاتها حتى تساهم بشكل فعال في التنمية الاقتصادية يقترح العمل على:

1. وضع آلية فاعلة للتنسيق بين الجهات ذات العلاقة في مجال الحرف والصناعات التقليدية

2. التنسيق مع جهات مثل وزارة التعليم الفني والتدريب المهني في وضع البرامج التدريبية الهادفة إلى تنمية مهارات وقدرات الحرفيين خاصة للأجيال الناشئة منهم لإيجاد مصدر دائم لتزويد هذا القطاع بما يحتاجه من أيدي عاملة ماهرة تضمن استمرار وتداول الخبرات والمهارات الحرفية في مختلف الصناعات .

3. استمرار مشاركة الحرفيين بصورة سنوية في المهرجانات الوطنية السنوية وغير السنوية للتراث والثقافة.

4. اختيار الصناعات الحرفية المميزة وإتاحة الفرصة لها في المشاركة في المعارض الدولية (الداخلية والخارجية ) التي تنظمها أو تشارك فيها بلادنا.

5. التنسيق مع البنوك والمؤسسات المالية المتخصصة والداعمة في مجال الإقراض لتمويل الصناعات الحرفية بشروط ميسرة وان يتضمن التمويل حوافز مشجعة تجعل الحرفي يقبل على استخدامه والاستفادة منه، ويمكن تقديمه بصيغ مختلفة حسب ظروف كل حاله.

6. الاهتمام بأنشطة تسويق منتجات الصناعات الحرفية داخلياً وخارجياً على أن تشمل هذه الأنشطة داخل البلاد كل من مراكز الحرفيين، الأسواق السياحية ، الفنادق، المتاحف، المطارات والموانئ، ، الحدائق العامة ، المعارض والمهرجانات.. أما التسويق الخارجي فيتمثل في المشاركات الخارجية لليمن في المعارض والمؤتمرات والأسواق الدولية وغيرها.

7. الاهتمام بتفعيل التعاون المشترك مع الجهات ذات العلاقة بالصناعات الحرفية في الدول على المستوى الإقليمي والدولي، والاستفادة من تجارب هذه الدول وذلك بالتنسيق مع الجهات المهتمة بالصناعات الحرفية في تلك الدول.


ليست هناك تعليقات: