*أريب محمد عبد الغني
لا شك أن الفساد بشكل عام ولاسيما منه الفساد الاقتصادى هو أكثر الظواهر تأثيراً وبشكل سلبي وسيئاً على عمليات البناء و التنمية الشاملة والمستدامة، و تعاني منه جميع الدول المتقدمة والنامية على حد سواء وإن اختلف حجمه وآثاره تبعاً لاختلاف التركيبة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لكل دولة ، فعلى سبيل المثال مسألة النمو الاقتصادى يتأثر بعلاقات الفساد من خلال آثاره السلبية على مناخ الاستثمار وتكلفة المشاريع التى ترتفع بسبب تصاريح واجراءات اقامتها وتنفيذها الذي قد يتطلب الحصول عليها درجات من الفساد في كثير من الدول وخاصة في منطقتنا العربية، فالمستثمرين يضيفوا أموال الرشاوى والعمولات والاتاوات والبلاطجة وغيرها.. الى التكلفة الاستثمارية مما يزيد من التكلفة الاجمالية للمشروع في الحاضر وبالتالي يخفض العائد ( جني الارباح) من الاستثمار في المستقبل ، وبذلك يتأثر النمو الاقتصادى سلباً ، اضافة الى أثر الفساد على إقامة أي مشاريع استثمارية جديدة ، وإذا ما حاولنا تعريف الفساد يمكن القول انه لا يتوفر تعريف محدد للفساد بالمعنى الذي يستخدم فيه هذا المصطلح اليوم الا اننا يمكن ايجاد التعريف المناسب للفساد الاقتصادي وهو "سوء استخدام الوظيفة أو المنصب عموماً لتحقيق منفعة خاصـــة " ذلك أن استخدام مصطلح الوظيفة أو المنصب عموماً في هذا التعريف يعد أكثر شمولاً من استخدامها مقيده فيما سواه، حيث يشمل هذا المصطلح كلاً من الوظيفة العمومية باستغلال صغار الموظفين العموميين لوظائفهم في تحقيق منافع ومكاسب مادية ومعنوية خاصة ، والتي لا تطلق إلا على العاملين في القطاع الحكومي، كما يشمل أيضاً الوظيفة في القطاع الخاص والمختلط ، وأما الشق السياسي فيتمثل في اختلاس كبار موظفي الدولة للموارد والأموال العامة لحسابهم الخاص .. التي لم يتطرق اليهما قانون مكافحة الفساد والنافذ في بلادنا.
ان مشكلة استفحال وانتشار الفساد على نطاق واسع في مجتمعنا أمر يجري الحديث عنه منذ سنوات ليست بالقصيرة، لكن الحد منه اومكافحته او مقاومته لـم يجرى تطبيقه بالشكل السليم، لذلك نجد ان تاثير الفساد على العلاقة مابين الاستثمار والتنمية على سبيل المثال من جانب ونوعية المؤسسات الحكومية يعود بالدرجة الاولى الى ضعف أداء هذه المؤسسات بشكل عام .. نتيجة لاستفحال الفساد المستشري في هياكلها، وهو من أهم عوامل انتشاره واستفحالة على نطاق واسع في المجتمع، حيث يبرز ذلك وعلى سبيل المثال من خلال انخفاض تدفق الاستثمارات الاجنبية بشكل خاص وفي ضعف وبطء عجلة التنمية والنمو في البلاد بشكل عام، وإذا ما حاولنا الحديث عن العوامل التي ساعدت وما زالت تساعد على انتشار ظاهرة الفساد التي تحولت الى ثقافة عامة واصبحت متجذرة نلاحظ أن هنالك إجماعاً من قبل المختصين في مكافحة الفساد أن من أهم تلك العوامل:هو الحصول على مكاسب مادية او مالية أو معنوية والمتاجرة غير المشروعه بمقدرات ومكتنزات البلد و المجتمع واستغلال السلطة أو النفوذ او الوجاهة بطرق ملتوية لتحقيق منفعة ذاتية مادية أو معنوية بما يتعارض مع مقتضيات المصلحة العامة، والفساد على هذا النحو فيه تهديد خطير للقيم والاخلاق والضوابط الاجتماعية ومخالفة لامال وطموحات وتطلعات وتوقعات المجتمع بكافة شرائحة الاجتماعية ، واستلاب غير مشروع لحقوق الاجيال القادمة، وتعويق لتنفيذ الاهداف والخطط والبرامج المرتبطة بالبناء وبالتنمية الشاملة والمستدامة، وهناك أسباباً أخرى للفساد ، بعضها يعود لعوامل داخلية ، والبعض الآخر يعود لعوامل خارجية.
العـوامـل الداخـليـة:-
- ضعف قدرات منظمات ومؤسسات وهيئات المجتمع المدني والاحزاب والتنظيمات السياسية والكيان المؤسسي للقطاع الخاص وللمصداقية والقدرة على الافناع لمقاومة الفساد بشكل فعال بسبب ما تعاني منظماته ومؤسساته من غياب الشفافية والمسالة والقيم الديمقراطية بشكل واضح وضمن مكوناته المؤسسية والتنظيمية وعدم القدرة على بلورة شراكة حقيقية قادرة على صنع القرار المعارض / المتوافق مع الحكومة، اضافة الى ضعف المنافسة الايجابية والخلاقة لتقديم الافضل بين التنظيمات السياسية والاحزاب نحو تحقيق اهداف وبرامج مشتركة لصالح البلد والمجتمع ،قائمة على الحكمة في ترشيد القرار الى الصواب والتركيز التام والتعايش المشترك فيما بينها على مستوى السلطة والمعارضة ، وغياب المصداقية والقدرة والصرامة والآليات الفعالة المؤسسية والتنظيمية التي تتعامل مع الفساد من منظور شامل، اضافة الى قصور الوعي المجتمعي وادراكة التام بحقوقة الدستورية والقانونية بمدى قدرته على المشاركة والتأثير الفعال في كثير من القضايا التي تهمة ولاسيما منها مكافحة الفساد وبالطرق والوسائل السليمة والصحيحية.
- السلوك الغير سوي على مستوى الافراد الذين يخالفون القواعد والقوانين والتشريعات والنظم العامة ويتجاوزو فيها لقيم وممارسات وتقاليد المجتمع الانسانية والحضارية ، وينجم عن تلك التصرفات السلوكية انتشار المحاباة والمجاملة وتغييب العدالة في إسناد الوظائف وتخصيص الموارد وتوزيع الدخول اضافة الى تحقيقاً لمصالح خاصة و ضيقة، دائما ما يتعارض مع مصالح الاغلبية الساحقة للمجتمع وهو ما يؤدي الى تنغيص الحياة العامة والبيئة المجتمعية وهو امر دائماً ما يؤثر سلباً على الاستقرار السياسي والامني وعلى عمليات البناء والتنمية والتقدم والنمو بشتى جوانب الحياه بما يفرزه من نشر للأنانية وحب الذات وعدم احترام عقول الناس وعدم التحلي بروح المسئولية ونشر للانحراف والجريمة والنفس السويه، وتتفق أغلب الرؤى الخاصة بالفساد الاقتصادى على أنه يدمر عملية التنمية الشاملة والمستدامة تدميراً تاماً وهو مانراه على الواقع وبشكل جلي.
- قلة الفرص الاقتصادية المتاحة للأفراد لتحسين مستوى دخلهم وافساح المجالات والخيارات امام الناس عن طريق عدم ايجاد الحلول والمعالجات لمشكلة الفقر والبطالة فهذه الـمشكلة اصبحت عبء على كل مواطن وفي كل اسره حيث ان العاطل عن العمل الذي يمتلك الـمقدرات والكفاءات والخبرات للعمل من أجل تأمين الحياه الكريمة لاشباع رغباته النفسية والروحية والمادية والمالية واحترام / تحقيق ذاته والنهوض بوطنه ومجتمعة’ تعتبر البطالة من أهم المشكلات التي تواجه واقع الاقتصاد وسوق العمل ومراحل النهوض، حيث تفاقمت هذه المشكلة في الفترة الماضية نتيجة عدم معالجة عوامل من أهمها التحولات الديموغرافية التي أدت إلى زيادة عدد الداخلين الجدد إلى سوق العمل والناتج عن ارتفاع معدلات النمو السكاني والهجرة الداخلية من الريف الى المدينة، وضعف الموائمة بين نواتج التعليم في مراحله المختلفة وبين متطلبات سوق العمل، ومزاحمة العمالة الوافدة للعمالة اليمينة في بعض المهن والتخصصات الناتجة عن التفاوت الكبير في الأجور، ومن أهم سمات البطالة في الاقتصاد اليمني أنها بطالة ليست سلوكية ناجمة عن عزوف اليمنيين عن بعض المهن المعروضة نتيجة النظرة الدونية لها ولكن في كونها لا تحقق الحد الادنى من المعيشة اللائقة نتيجة لتفشي الفساد القيمي والسلوكي والمالي والاداري في مؤسسات الدولة وعدم قدرة الاقتصاد على توليد فرص عمل مناسبة ولائقة ، كما وأنها اي البطالة اصبحت هيكلية تمثل شريحة كبيره وواسعة من القوى العاملة ( الشباب) ولا تتناسب مؤهلاتها مع الوظائف المعروضة في سوق العمل المحلي والخارجي، بالإضافة إلى وجود بطالة مبيرة بسبب تأثيرها على الفجوة الحاصلة بين العرض والطلب في سوق العمل المحلية والخارجية وعدم توفر البيانات عن فرص العمل الحالية او المستقبلية وخاصة في القطاع الغير المنظم.
- عدم الجدية والمصادقية والمثابرة وبذل الجهد اللازم في الاستغلال الأمثل للكفاءات والخبرات العلـمية والعملية المتخصصة وهو جانب لا يقل أهمية عن استغلال الثروات الـمادية، لا بل أن حسن استغلال هذه الأخيرة لا يتم إلا عن طريق استغلال الـمقدرات العقلية والفكرية والعلـمية المبدعة والمبتكرة الـمتوفرة لدينا ولذلك فإن عملية استخلاص القدرات البشرية لا يمكن لها أن تتجاهل القدرات العقلية والعلـمية التي هي في الواقع الدافع والـمحرك لنجاح الاستثمار الامثل للثروات الـمادية في منظومة العملية التنموية السليمة والـمعافاة، والنجاح في الاستثمار المادي بشكل سليم وصحيح ما لم يكن العقل والمعرفة والعلم مسيطرين على الجهود المبذولة في ذلك الاستثمار ويكون تأثيرة خلاف ذلك سلبياً ويؤدي الى هدر وافراغ اي عملية تبذل من محتواها ، والحركة العضلية تصبح غير مفيدة وضارة إن لـم تكن محكومة بالعقل.
- عدم العمل والمثابرة وبذل الجهد اللازم على استعادة العقول المغتربه والـمهاجرة واستقطابها وتمكينها وتوظيفها في خدمة اقتصادنا ومجتمعنا بدل عملها في خدمة ونجاح اقتصاد ومجتمعات الآخرين، وبالـمناسبة فإن قدراتنا على المنافسة الحقيقية اليوم هي في كيفية استغلال العقول التي تنجم عنها كثير من الفوائد اهمها الجانب الاقتصادي وعدم اهمالها ، وهي جزء من العمل على تطبيق مبادئ العولـمة، وإذا ما استطعنا سحب ما يخصنا من أدوات وعناصر القوة الاقتصادية لدعاة العولـمة فإننا بالتأكيد سوف نمتلك الأداة الـمساعدة على تقوية اقتصادنا تجاه اقتصاديات الآخرين، ولنا في كثير من النماذج ... تركيا وماليزيا وكوريا والهند والصين والبرازيل وسويسرا واليابان امثلة لتحقيق العظمة الاقتصادية على أساس قوة المعرفة والعلـم وحده، رغم افتقار بعضها وعلى سبيل المثال لا الحصر كسويسرا واليابان للـمواد الأولية وموارد الطاقة الطبيعية من بترول وغاز.
- هدر للإمكانيات والموارد المادية الـمتاحة بكل عناصرها وأوضاعها واحتمالاتها وهو أمر في غاية الأهمية والخطورة، لأن هناك معادلة بين ما نملك وبين ما يؤمن لنا هذا التملك من حيث تكلفته واثره على الواقع الملموس، وعدم بذل الجهد والعمل الايجابي في انجاز الإصلاحات الاقتصادية وبشكل صحيح وهو الذي جعل الـمعادلة لغير صالح الإمكانيات الـمتاحة واهدار فرصة استغلالها الاستغلال الامثل لصالح البلاد والمجتمع لتقدمة وتطوره وازدهاره، حيث كان ينبغي العمل على تعظيم الناتج عن استثمار الإمكانيات والموارد المادية والمالية والمعنوية الـمتاحة وبالتالي انعكاسها على التنمية الشاملة والمستدامة سوى على مستوى الفرد والاسرة والمجتمع وهو مالم يتحقق حتى الان وبشكل ملموس على الواقع، وهذا ايضاً لا يمكن ان يتحقق إلا إذا قمنا برفع وتيرة الـمعرفة والتنظيم والتشجيع اللازم والملزم على الابداع والابتكار الخلاق و التي جرى تدمير محاولات تكوين نواته خلال الفترة الماضية، وإدخال الأساليب العلـمية والتقنية الحديثة والمتطورة على الاستثمار الامثل للامكانيات والموارد المادية والمالية المتاحة او التي مازالت غير مستغلة او التي في باطن الارض تنتظر العقول النيرة المسئولة لاستغلالها الاستغلال الامثل لصالح الانسان اليمني ووطنة، حيث لا يمكن على الاطلاق القبول بأن شحة الامكانيات البشرية والمادية والمالية والمعنوية سبب رئيسي من تعثرنا تنموياً وعائقاً في طريق التنمية والنهوض لا ننا نرى في وسائل الاعلام الرسمية والغير رسمية وعلى تعددها وتشعبها ونطاق انتشارها ومن خلال ما تعرضة وتقدمة من قبل الباحثين والدارسين والمفكرين والعلماء واصحاب الرأي والصحفيين من ابحاث ودراسات ومقالات واستفسارات وملاحطات على الواقع العملي حجم الفساد والهدر لتلك الثروات بدون اي محاسبة اومساله او معاقبة اومعالجة للاخفاقات والاخطاء والخلل والاسباب التي تؤدي الى ذلك ، فالمال السائب كما يقولون يعلم السرقة، ولهذا يجب علينا ان نبذل الجهود المخلصة والصادقة والعمل على دعم الحركة الفكرية والصناعية والتسويقية ... الخ، خاصة فيما يتعلق منها بالخطط والبرامج التنموية والمستدامة، حيث تمثل في مجملها سلسلة مؤلفة من حلقات بدايتها معرفة الواقع ( ماذا نريد) ونهايتها الوصول إلى الهدف الـمنشود الذي يجعل الحركة والتحولات والاصلاحات تتحقق قولاً و فعلاً (ملموساً).
واذا كان للفساد والمفسدين آثار اقتصادية سيئة على المجتمع وهذا ما يجمع عليه كل الناس، فأن الآثار المترتبة على ذلك تنعكس على إعاقة للنمو الاقتصادي هذا إلى جانب أثره السلبي والسيئ على القطاع الضريبي بالحد من موارد الدولة، مما يجعلها غير قادرة على الوفاء بالتزامتها وبالحاجات الأساسية والضرورية للمجتمع من جهة وبالتالي تزيد من انتشار الفقر والبطالة التي تقضي على اي امل للضعفاء وللفقراء والمساكين وكل الطامحين من الشباب والشابات بحياة افضل ومستقرة وامنه وبتحسين وضعهم بل وتؤثر على الطبقة الوسطة التي تحولها ايضاً الى فقيرة ومعدمة وتعويق للطبقة الغنية من قدرتها على المساهمة في البناء والتنمية وبصورة عادلة ومنصفة ، وبالتالي فأن المجتمع وبكل شرائحة الاجتماعية لايمكن له ان يطيق اوالصبر على تدهور وضعة ومعيشته وتحديد ملامح مستقبلة على الاطلاق، خاصة عندما ينظر الى الواقع والى المستقبل حيث ينظر رب الاسرة لنفسة و اطفالة الذي لا يعلم الى اين المصير لعدم وضوح الرؤية ومايشاهده ويلمسة من صراع محموم على القوة والنفوذ بين الساسة المتعجرفين المتسلطين بدون وجه حق والفاقدين الى الضمير والحس الانساني والحضاري تجاه وطنهم وشعبهم ، والذين لايهمهم مصالح الناس والغالبية الساحقة منهم ،وينظرون اليها بافق ضيق وقاصر، ومن جهة أخرى فإن الفساد يخل بمبدأ العدالة الاجتماعية في توزيع الأعباء العامة بين الاغنياء والفقراء وبالتالي تؤدي الى تفشي كل الظواهر الخطيرة من عنف وتقطع وتكوين العصابات والبلطجة التي ادخل فلسفتها وثقافتها عنوتاً على المجتمع موخراً ،اضافة الى غيرها من الظواهر المستفحلة والتي اوغلت وسببت له جراحات عميقة في جسده تحتاج الى بذل جهد وعمل مظني وفترة زمنية طويلة لمعالجتها، هذا إلى جانب أثره على الإنفاق الحكومي من خلال سوء تخصيص الموارد العامة و ضعف جودة السلع المستوردة من قبل التجار الفاسدين والمفسدين او المقاولين والمستثمرين وغيرهم من اصحاب المصالح الخاصة لمشروعات التنمية المقامة ونوعية الخدمات المقدمة، إضافة إلى أثر الفساد على سوق صرف العملة الوطنية امام العملات الأجنبية من خلال زيادة ارتفاع عجز ميزان المدفوعات، وتفاقم هذا العجز باستمرار مع تفشي الفساد مما يضطر الحكومة إلى الاقتراض واستجداء المساعدات والتفريض الغير مقبول في التزامتها وعجزها عن سداد المستحقات للغير والوفاء بالتزامتها امام المجتمع (الشعب) واحترام تعهداتها والتزاماتها للمانحين الاقلميين والدوليين رغم ان الاحتياج لهم كان بالامكان تلافيه في حالة تركيز الحكومة على حل المشكلات، وعلاوة على ما سبق فإن الفساد يسهم في الإخلال بمبدأ الشفافية الذي تعد شرط أساسي لقيام سوق المال ونموه وتطوره.
ان الاجراءات العملية لتخفيض ومكافحة الفساد من وجهة نظري .. تتمثل عن طريق التقليل من الفرص المتاحة للفاسدين والمفسدين لجنيهم الفوائد المادية والمعنوية الغير مشروعة والتي تضر بمصالح الغالبية الساحقة من الناس، وذلك بالتحرر الاقتصادي الكامل والشامل ( الاقتصاد الحر)، وانهاء تدخل الحكومة وغيرهم من الفاعليين المحليين في انشطة واعمال القطاع الخاص من خلال اجراء مزيج من الإصلاحات الاقتصادية الفعالة كتحرير وإزالة الرقابة على الأسعار، وتحديث اعمال القطاع المصرفي، وإزالة كل المعوقات الاستثمارية وتخفيض التعريفات الجمركية وأشكال الرقابة الأخرى على التجارة والاستثمار والتدخل المباشر في النشاط الاقتصادي وتخفيض فرص جني الفوائد المادية والمعنوية الغير مشروعة، مع التركيز على نقطة هامة الا وهى انه يمكن ان يكون للإصلاحات الاقتصادية نتائج عكسية على الفساد ولا سيما في الأجل القصير، فمثلاً في غياب الارادة وقوة الإجبار في الإصلاحات الضريبية المخصصة لزيادة الإيرادات الحكومية يمكن أن يزيد الحوافز والثغرات للممارسات الفاسدة، كما أن الخصخصة في غياب إجراءات تنظيمية قوية فعالة ذات إمكانية كبيرة لتوليد مستويات عالية من السعي لجني الفوائد المادية والمعنوية الاقتصادية ولا سيما في الاحتكارات الطبيعية من موارد، كما ان علينا عدم اغفال ما اشار اليه المنتقدون للإصلاحات الاقتصادية في الحاجة إلى ايجاد مصادر جديدة للدخل وخلق فرص عمل خارج نطاق القطاع العام (الحكومي ) لتخفيض حوافز سلوك جني الفوائد المادية والمالية والمعنوية من ناحية (للفاسدين والمفسدين)، ولاهمية التغيير للنظام السياسي لتوفير بيئة مؤسسية وتنظيمية يمكن من خلالها مكافحة الفساد من ناحية أخرى،وهذه الإصلاحات يستلزم مزيداً من الرقابة المحكمة والتنظيم الصارم لهذه الإصلاحات حتى لا يكون المنتفع النهائي من هذه الإصلاحات لاي نخبة حاكمة اومسيطرة على توجهاتها فيما بعد، وعلاوة على ذلك فإن غياب الفرص الاقتصادية البديلة يحد من مجال مكافحة الفساد إذا ما ظل القطاع العام (الحكومي) المصدر الأساسي للدخل والعمالة ، كما ان إمكانية الحد من الفساد بخلق المؤسسات الديمقراطية الفعالة، كالمشرعون المنتخبون بطرقة حره وشفافة اكثر مصداقية عبر الاقتراع ، ولجانها البرلمانة المنتخبة والمؤسسات الرقابية المناط بها مكافحة الفساد ونحوها، لأن هذا التغيير السياسي يساهم في خلق بيئة أكثر حفزاً في مكافحة الفساد ولأنها تزيد من الاستجابة للتغيير السياسي المطلوب وتستجيب لرغبة أفراد الشعب في التغيير السلمي والسلس، الا اننا نجد البعض يرد على هذا الرأي بأنه رغم أن المنافسة السياسية تقدم نخباً سياسية جديدة يمكن أن تتخذ تصرفات جادة وحازمة وفعاله ضد استفحال الفساد واثاره السلبية ، إلا أن هذا لا يمنع من اتخاذ تلك النخب لنفسها مزيداً من الفرص لجني الفوائد المادية والمالية والمعنوية الغير مشروعة، وعلاوة على ذلك فليس هنالك ارتباط معنوي بين الحقوق والعمليات الديمقراطية والفساد، ويضاف إلى ما سبق فإن هناك الكثير من الأمثلة لبلدان زاد الفساد فيها بعد تحقيق التغيير السياسي المطلوب، مما يعني أن هذه المؤسسات والتي تعني بمكافحة الفساد لا يكتب لها النجاح في مقاومة الفساد إلا بتنظيم افراد (الشعب) لأنفسهم تنظيماً فاعلاً ومؤثراً، وهو ما يطلق عليه مفهوم التقوية الاجتماعية، ويقصد بها نطاق الموارد الاقتصادية والسياسية المتاحة للمواطنين كأساس لمقاومة الفساد المنظم أو الممتد، وعليه فان مسألة الثورة والمظاهرات الجماهيرية والشعبية التي تنظمها وتقوم بتنفيذها مجموعات في المجتمع ضد الساسة وظواهر ونتايج الفساد والفاسدين من افساد في الحياه العامة للمجتمع كثيراً ما دفعت هذه المجموعات في المجتمع إلى إزالة هؤلاء المفسدين والفاسدين من أمكانهم ومراكزهم في بعض الدول كما حدث لحكومة بنظير بوتو في باكستان ، وكولردي ميلو في البرازيل .. وغيرها من الحكومات التي لاتستمع الى النصح والمشورة الصائبة من قبل افراد الشعب والنخب الاجتماعية والاقتصادية والسياسية الاخرى والجهات والاقليمية والدولية الاخرى، ولكن هذه المظاهرات ليست حلاً جذرياً للمشكلة وخصوصاً عندما يكون الفساد منظماً وممتداً، وإنما قد تفضى إلى غياب مؤقت لها، وسرعان ما تظهر على السطح من خلال قنوات أخرى، لذا لا بد من دعم هذا المبادرات بإيجاد مؤسسات وبرامج وشبكات دعم ومساندة داخل المجتمع نفسة تظهر من خلالها مراقبة صارمة لسلوك الأفراد والمسئولين الحكوميين والسياسين والفاعليين المحليين وزرع الثقة الجماهيرية فيما يقوم به كبار موظفوا الدولة من واجبات ووظائف و مسئوليات مناطه بهم ورغم كل ذلك فليس كل المنظمات اوالمؤسسات والجهات الحزبية والجماهرية والمجتمعية داخل المجتمع على وتيرة واحدة في مكافحة الفساد، فقد يكون بعضها قوة دافعة وداعمة ومعززة لمكافحة الفساد والتغيير والاصلاح، ومع ذلك فإن هناك مجموعات أخرى من هذه المنظمات والمؤسسات والجهات منتفعة منه ومن ثم تقاوم التغيير والاصلاحات وتفشله وهو ما يحصل حاليا من ارهاصات في مصر وتونس.
نظام السنانير الحادة والمتعددة :- تقوم جهود مكافحة الفساد وفقا لهذا المدخل على مجموعة من التغييرات والإصلاحات السياسية والتشريعية والمؤسسية والتنظيمية الجوهرية، وأما السياسية فكتقوية آليات إمكانية المحاسبة والمسألة والرقابة على استخدام الموارد، وتحسين شروط تشغيل العاملين، وعدم محاباة الأقارب والمقربين في التعيين ونحو ذلك، وأما التشريعية فكإصلاح النظام القانوني والتشريعي وتعيين قضاء يتحلوا بالنزاهة والخبرة العملية والمهنية العالية، بحيث يتضمن عقوبات على القضاء المخلفين وكذا منح صلاحيات كافية للقضاء لردع الفساد ومكافحته والحد منه ومن ذلك الحقوق الإجبارية للملكية والحقوق التعاقدية الإجبارية وكذا إجراءات تحسين السلطة القضائية وجعلها أكثر مصداقية ونزاهة، وأما المؤسسية فكإنشاء مؤسسات وهيئات لمقاومة ومكافحة الفساد واختيار اشخاص اكفاء مشهود لهم بالنزاهة ونظافة اليد، وكذلك محاكم خاصة لمراجعة حالات الفساد واصدار الاحكام الرادعة بحق من يثبت بحقة انه افسد مهما كان نوعة وحجمة، وإعلان ملكية الأصول (الذمة المالية) للافراد الرسميين والموظفين المدنيين والحكوميين ولكل السياسيين المنخرطين في المناصب الحكومية والرسمية وغيرها، ولكن نجاح هذه المؤسسات المهنية المتخصصة في مكافحة الفساد يتوقف على مجموعة واسعة من العوامل الاجتماعية والاقتصادية وأشكال أوسع يفرضها توسع وتشعب الفساد في دول معينة، فعندما يكون الفساد منظماً و ممتداً كما هو في بلادنا فإن تلك المؤسسية يمكن أن تلعب دوراً محدوداً ، ويتوقف على قوتها في البحث والتحري والاستقصاء والإجبار الذي يحد منه نفوذ السياسيين والموظفين الحكوميين المدنيين المؤثرين والمتلبسين بالفساد اي ان نجاح مقاومة ومكافحة الفساد يعتمد على الإرادة السياسية والقوه الجماهرية والشعبية، وهذا غير متوفر بسبب التهديد المحتمل الذي يواجهه النظام السياسي والبيروقراطي في تلك الدول.
العـوامل الخــارجــيـــة :- يحظى الفساد المؤسسي بتأييد كبير لدىعدد من الممثلين والجهات الخارجية وخصوصاً من ناحية المعونات والمساعدات الخارجية ويعود ذلك الى الفلسفة التي تقول الغاية تبرر الوسيلة، ويمكن تخفيض الفساد بالاصلاحات المؤسسية والذي لا يكون فاعلاً في تحقيق ذلك كالإصلاحات السياسية والاقتصادية وإنما قد يكون ملائماً ربما في دول لا يكون الفساد منظماً وممتداً فيها أو يكون بها قوانين وتشريعات و مؤسسات لمحاربة ومكافحة الفساد، أو تأييداً جماهيرياً على نطاق واسع، لأن حكومات هذه الدول غالباً ما تأتي عن طريق التصويت الحر ونمو تطور العملية الديمقراطية بمجملها، ولهذا فإنها تكون خاضعة للمساءلة والمحاسبة والشفافية والرقابة من الشعب، ولذلك انصح بأن نكون حذرين من الفاعلية والنجاحات المحتملة للإصلاحات او التغيير السياسي والاقتصادي والمؤسسي ، طالماَ أنها ستصل إلى مدى محدود في بلاد يكون الفساد فيها متجسداً في الهياكل الاجتماعية والاقتصادية، ولذلك ارى من خلال هذه الأسباب ان هدف استئصال الفساد قد يكون صعباً وليس بالنظرة المتوقعة لكنه ليس مستحيلاً، صحيح أنه يمكن الحد منه إلى مستويات مقبولة ويصبح الفساد غير عائق للاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي والامني ووتأثيرة الايجابي على التنمية الشاملة والمستدامة،ولذا نجد ان محدودية الإصلاحات السياسية والاقتصادية والمؤسسية مجتمعه والتي تجرى في كثير من الدول قد ادت إلى نمو الاعتراف بأهمية القوى الاقليمية والدولية كسبب من أسباب مكافحة الفساد والضعط باتجاه التغيير والاصلاحات وهو ما ادى الى الركون عليها في المساهمة في معالجة القضايا التي تعاني منها بلادنا في حين جرى اغفال اشياء اكثر اهمية على المستوى المحلي و عدم القيام بالتركيز عليها قبل الاعتماد على القوى الاقليمية والدولية.
ولما كان فساد المؤسسات في الدولة المصدرة من أحد عوامل انتشاره في الدول المستوردة للفساد، فإن هناك الكثير من الجهود الاقليمية والدولية المبذولة والمكملة للإصلاحات السياسية والمؤسسية في البلدان المستوردة للفساد ومن أهم المبادرات الحديثة في هذا الشأن مبادرة دول الاتحاد الاوروبي، واضافة الى ان هناك مبادرات مماثلة على مستوى الاتحاد الأوربي تمثلت في اتفاقيات دولية متعددة الأطراف، الهدف منها الرقابة على الفساد سواء كان وطنياً او اقليمياً أو دولياً، من خلال اتفاقيات دولية لتبادل المعلومات والتعاون في الإجراءات القانونية لمحاكمة المتورطين في الفساد، كما أن لمنظمة الشفافية الدولية دوراً بارزاً في محاربة الفساد الدولي من خلال إجراءات متنوعة، وذلك بمنع وقبول الرشاوي والعمولات بواسطة المسئولين العموميين (الحكوميين)، وفي بعض الدول هناك مجموعات وطنية ( محلية) تعمل على تحقيق ذلك من خلال التزام المنتمين للحكومة ومنظمات ومؤسسات المجتمع المدني والقطاع الخاص وغيرها.
وختاماً يمكن لنا القول ... بأن جميع النظريات المطبقة على ارض الواقع تتفق على صعوبة القضاء على الفساد نهائياً (وخصوصاً المنظم والممتد) لكن يمكن التخفيف منه الى حد كبير وذلك بوجود الإرادة الصادقة لمكافحة الفساد، وذلك يستلزم مجموعة من الإجراءات والإصلاحات تختلف من نظرية لأخرى، على ان يكون مكافحة الفساد بالتقليل من الفرص المتاحة للحصول اولجني الفوائد المادية والمالية والمعنوية الغير مشروعة، وذلك بالتحرر والانفتاح الاقتصادي الكامل والشامل والحد من احتكار الدولة للانشطة الاقتصادية ونحو ذلك، هذا إلى جانب تأمين الفرص الاقتصادية للجميع وعدم احتكارها في صورة افراد معينين او محددين كما ان اجراء التغيير والإصلاحات السياسية لخلق المؤسسات الديمقراطية والمؤسسات الرقابية والبرلمانات المنتخبة بطريقة حرة وشفافة ذات مصداقية والمشاركة الشعبية ونحو ذلك سوف تؤثر ايجاباً في مكافحة الفساد.