السبت، 21 مايو 2011

التطور التقني والتكنولوجي واثره في تطور المجتمع

*اريب محمد عبدالغني




إن السؤال البديهي الذي نوجهه إلى أنفسنا... ما هدف التحول من انجاز اعمالنا بالورق الى الأتمتة؟ هل هو لغرض الترف أم أنه تم استحداثها وابتكارها لخدمة أعمال الإنسان شأنه في ذلك شأن الاكتشافات المفيدة والتي ظهرت خلال العمل الحضاري للإنسان في العقدين الأخيرين، والتي تجاوز عددها وأنواعها ما ظهر من مجمل اكتشافات خلال العقود السابقة، فقد ظهر علم الفضاء والذي استخدم لمعرفة إمكانية وجود الحياة على سطح الكواكب الأخرى، كما أن عامل النقل قد طرأ عليه تعديل كبير بحيث ينتقل الإنسان من مكان إلى آخر بسرعة وسهولة وراحة، ثم نرى نحن معشر المثقفين بأننا استطعنا أن نحصل على شيء يساعدنا في نقل العلم ومناقشته وحفظه والاستفادة منه عبر الأثير الذي هو البريد الإلكتروني وشبكة المعلومات العنكبوتية (الانترنيت).

إذاً فالاتصال الآن بين الافراد أصبح ميسراً وسهلاً إذ خلال ثوانٍ يمكن أن تخاطب أي شخص أو مؤسسة على مستوى الكرة الأرضية، كما أن المحاضر لا يستطيع أن يستغني عن الحاسوب حيث بواسطته يمكن كتابة المعلومات والتعامل بها عبر المعطيات الحاسوبية و البرمجيات، وكذلك يمكن أن يعدل النص المكتوب الكترونياً بإضافة أو إلغاء أو تغيير في وضع أحرفه أو إضافته لنص آخر، ولهذا نجد ان اضافة خبرة الحاسوب إلى الخبرات الأخرى التي يستعملها الإنسان في مزاولته لمهنته امر مهم وحيوي، حيث أن الحاسوب هو الصاحب في كل عمل، فالطبيب بحاجة للحاسوب لتسجيل المواعيد وأوصف المرض وتطوره خلال فترة زمنية مختلفة، ولهذا فإن على الطبيب أن يتعلم استخدام الحاسوب في المجال أو الاختصاص الطبي الذي يزاوله، وفي مهنة المحاماة وعملية بيع التجزئة والجملة وترتيب المخزون في المستودعات وإجراء الميزانيات والتسعير، أي أنه أصبح اليد الأولى للمحاسب في أعماله المحاسبية للمنشأة التي يديرها ، وكذلك فإن للحاسوب فائدة في مراقبة تحركات الكواكب والنجوم وحسابات علم الفضاء وفي تسيير المراكب الفضائية والطائرات، ولا تخلو مهنة من المهن من سيطرة الحاسوب على تسييرها وتسهيل حركتها، واصبح تعلم الحاسوب واجب على كل مهنة ، حتى أن الكومبيوتر هو الذي ينشط عملية الإبداع المطلوب توفرها في كل عمل.

إن تحديد المعيار للخبرة يختلف من أمة إلى أخرى حسب درجة الحضارة التي تتمتع بها تلك الأمة، فمثلاً هنالك دول كسويسرا تُعتَبرُ في عداد الدول المتحضرة ولكن حضارتها مغايرة لما عليه الحضارة الفرنسية أو الألمانية أو اليونانية، ولذلك فإن المعيار الذي يتم اعتماده في جامعات هذه الدول بالنسبة للخبرة يختلف عن الدولة الأخرى، فبعضها يصر على إخضاع الطالب المتقدم إليها إلى فحص قبول لتقييم خبرته العلمية ومقارنة ذلك مع المستوى العلمي المعتمد من قبلها، بينما بعضها الآخر يقبل الطالب على مستواه العلمي الصادر من الجهات العلمية من الدولة التي أجرى دراسته فيها ودون اللجوء إلى إجراء فحص القبول، وأخرى تصر على أن تحتوي أوراق نجاح الطالب في بلده على أرقام معينة من العلامات بالنسبة لبعض المواد وهكذا،صحيح أن الفرق الحضاري ما بين الدول المتحضرة أصبح قليلاً وأنها قد أنشأت اتحاداً اقتصادياً واحداً فيما بينها إلا أنه لازال كل شعب فيها يتمتع بخبراته الخاصة به حسب تقديراته الخاصة، ولربما تمسكهم بهذه المفارقة لمصلحة الاتحاد الأوروبي نظراً لأن المنافسة العلمية ضمن الاتحاد الواحد تساعد على النهوض بمستوى العلم، شأنها في ذلك شأن الأشياء الأخرى في حياة الناس، تعلم كل إنسان المكنز الذي يمتلكة ، والفارق العلمي ما بين الدول مرده إلى السياسة التربوية والعلمية المتبعة في كل منها، ونحن نخطى حين نأخذ بمعيار التعيين في الوظائف حسب الشهادات وليس حسب الخبرة والأداء والإبداع التي يبديها الموظف خلال فترة زمنية معينة، إذ أن اختيار الشخص في بعض الدول المجاورة يتم حسب المصدر العلمي المصدر للشهادة وإلى شهادات الخبرات السابقة التي حصل عليها من الجهات التي عمل بها سابقاً، حيث أن شهادة التخرج ليست سلعة تباع وتشترى حتى يتم تحديد راتب حاملها بصورة مسبقة، والإصلاح العلمي الهادف إلى ربط الخبرات بالعلم يجب أن يتم عبر تحرير التعليم حيث تتبارى كل مدرسة وجامعة علمياً مع الأخرى بناء على المتطلبات العلمية العالمية، أي أنه ينادى بالعولمة بالنسبة للنواحي المادية و الأجدى ايضاً بأن ينادى للعولمة العلمية خاصة في الدول التي يتعثر فيها العلم والتعلم نتيجة لوجود فلسفات عقيمة لاتستطيع ان تتحرر منها.

لا شك أن أصحاب الخبرات هم في غالب الأحيان يمتلكون ذكاءً وعقلاً مفكراً مقابل امتلاكهم لجيوب فارغة من المال اللازم لتمويل هذه الأفكار إلى حقيقة واقعة وملموسة، ولذلك فهم يبقون عادة تحت رحمة الأشخاص أو المؤسسات او الهيئات الحكومية التي يعملون فيها والذين ينعمون عليه بمكافأة أو بزيادة قليلة على الراتب في أفضل الحالات، وبالتالي فإن المبتكر يشعر بُغصَّة أنه قد ظُلِمَ في هذه الحياة، وكان يتمنى لو يمتلك المال الكافي ليتمكن من استثمار ابتكاره أو إبداعه بنفسه حيث يستطيع من خلالها أن يحقق النجاح المادي والمعنوي بشكل أفضل، ومن هذا المنطلق فإن افتتاح مصارف أو صناديق تمويلية للإبداع والابتكار سوف يحل مشكلة المبدعين مادياَ خاصة فيما إذا كان المصدر التمويلي قد تأكد من جدوى ربحية تنفيذ فكرة المبدع، حيث يكون هذا التأكيد بمثابة ضمان للمال المستثمر، وهنا أريد أن أؤكد على ناحية هامة وضرورية بأن افتتاح المراكز والمؤسسات المُمولة للإبداع بتأمين فرص عمل جديدة ذاتياً أي أنها نابعة من عقل الإنسان وتفكيره هي عملية ضرورية لامتصاص البطالة و افساح الخيرات امام الناس ، كما أنها في الوقت نفسه تعمل على الإقلال من البطالة الظاهرة والمقنعة لأنها تعمل على تغيير وضعها المادي، أي أن الحاجة هي أم الاكتشاف، إضافة إلى أن استثمار الإبداع يشكل مصدراً من مصادر تحسين الجودة عندما تنلفت إليه أنظار أصحاب المنشآت والمصانع والمشروعات الخدمية والانتاجية في كافة القطاعات الاقتصادية للاستفادة من النجاحات العلمية والتقنية المحققة والتي في كثير من الأحيان يستفاد منها في مجال تحسين منتجاتهم وخدماتهم كَمَّاً ونوعاً، وهو الأسلوب الذي اعتمدته المؤسسات الاستثمارية والتمويلية الانتاجية والخدمية والتسويقية في الدول المتحضرة، إذ تم استثمار المعدات المستخدمة في المركبات الفضائية والاتصالات العسكرية في إيجاد صناعات جديدة أو تحسين صناعات قائمة بالشكل الذي يقلل من التكلفة ويزيد من كمية المنتج التي تم التوصل إليها عن طريق الإبداع والابتكار.

وخير دليل على أهمية الإبداع الفكري لدى الدول المتحضرة تلك المبالغ الضخمة التي تدفعها من دافعي الضرائب للمبدعين والمبتكرين والحصول منهم على حق استثمار إبداعهم صناعياً وخدمياً وتسويقياً وتقنياً ... الخ ، كما أن كثيراً من الصناعيين الذين يرغبون باقامة اوتحديث صناعات لماركات مشهورة في بلادهم يدفعون مبالغ طائلة تحت اسم شراء الخبرة أو المعرفة التي يطلق عليها بالعرف الصناعي NOW HOW ، ولكن إلى متى يبقى العالم العربي مضطراً لشراء المعارف والخبرات من الدول المتحضرة والتي في الواقع خبرات غير ثابتة وإنما مطورة، وهذا يعني شراءنا للخبرات التي توصل إليها العالم المتحضر في وقت من الأوقات، وليس في جميع الأوقات وبالتالي فإن الفارق الحضاري في الصناعة مثلاً سوف يبقى قائماً بيننا والعالم المتحضر، وإلى متى نبقى عبيداً لخبرات العالم المتحضر؟ أما آن الأوان كي نشجع خبراتنا المحلية ونقلب العبودية إلى سيادة في تعداد الدول المتحضرة خاصة وأن هذا التحويل يساعدنا على زيادة وارداتنا من العملات الاجنبية والناجم من مبيعاتنا لخبراتنا وإبداعاتنا، هذا فضلاً عن أن هذه الإبداعات والخبرات سوف تؤدي إلى فتح أسواق جديدة لمنتجاتنا وخدمتنا وتشغل عمالة وتوطن لتكنولوجيا، أي أن استثمار الخبرات والإبداعات هو إحدى الوسائل المهمة التي يمكن استخدامها لإعادة بناء الكيان الصناعي بشكل سليم يتفق مع إمكانياتنا المادية والفكرية المحلية.

وفي الختام يمكن القول انه علينا ألا ننظر إلى مهندس الميكانيك أو الكهرباء بأن كل منهما مهندس فقط، بل ننظر إلى التأهيل الناجم من الخبرات والإبداع الذي يمكن أن يؤديه كل منهما، إضافة إلى نوعية العلم والتأهيل الجامعي الذي أدى بكل منهما إلى حمله اللقب العلمي بناءً عليه، وبرأيي فإنه يمكن إيصال هذه الناحية إلى طالب العلم حتى يستطيع أن يستفيد من علمه حيث ان تقييم العامل المهني يختلف بكثير من التقييم للعامل العادي، وذلك فيما إذا أردنا لأنفسنا أن نكون مسوقين لحضارتنا وبضائعنا وخدمتنا وأفكارنا وتصديرها إلى الخارج، ويمكن عندها ان نجري حواراً بفكر متطور مع انفسنا ومع الاخرين للوصول إلى رضي وقبول.

ليست هناك تعليقات: