أريب محمد عبد الغني
لاشك بأن الادخار عملية تربوية أخلاقية اقتصادية والمال ضالة كل شخص وهو يشكل فائدة له فيما إذا أحسن استخدامه كما يكون نقمة عليه إذا أساء استعماله، ولهذا فإن عملية الادخار هي التي تحول دون جعل المال ضاراً على صاحبه بحيث المنحنى البياني للإنفاق يتجه بصورة مستقيمة رغم تذبذبات الدخل والإيراد،ولهذا فإن على أفراد الأسرة وخاصة الأبوين أن ينموا حب الادخار عند الأطفال كأن يطلبوا منهم حفظ قسم من ما يتحصلون عليه في صندوق صغير معين يستعمل رصيده عند الحاجة لـمنح المساعدة إلى غيرهم أو عندما تضيق الحالة المادية للأسرة أو عند حصول الرغبة في شراء حاجة تفوق قيمتها المبلغ الذي تستطيع الأسرة دفعه، وبالتالي فإن هذا المبلغ المدخر يستعمل لتنظيم الحياة المادية للطفل وتبقى هذه العادة التربوية مطبقة في مجال رعاية الطفل وحتى دخوله الـمدرسة، و تنتقل مهمة تعليم هذه العادة والإشراف على تنفيذها إلى الأسرتين معاً الأسرة المنزلية والأسرة المدرسية المكونة من الهيئة التعليمية، أو في إنشاء تعاونية مصغره في كل فصل دراسي يتم تقديم المساعدة إلى طالب محتاج فيها إلى ما هنالك من المشاركات الاجتماعية والتي تفوق فيها الإمكانيات الجماعية عن الإمكانيات الفردية، و تربية الجيل الجديد ليست فقط مقتصرة على دخول الطلاب لفصول الدراسة والخروج منها لكي يتعلموا ما ورد في الكتب فقط، وإنما واجب الهيئة التعليمية هو تربوي علمي أخلاقي حيث يعدل جو المدرسة الجاف بجو مرح عندما يشترك الطلاب في جو اجتماعي تحت إشراف مربين أكفاء كالرحلات والمباريات وتقديم المساعدات وافتتاح الدورات الدراسية الإضافية (حصص التقوية) مع إجراء الندوات والمحاضرات الثقافية، و الأسلوب التربوي الاجتماعي الأخلاقي ينمي العلاقة القائمة بين أفراد الهيئة التعليمية في المدرسة والطلاب، الأمر الذي يقوي بصورة غير مباشرة محبة الطلاب للمعلمين والأسلوب التربوي الذي يتبعه المعلم في جعل ادخار الطلاب كأداة لإشاعة المحبة فيما بينهم والذي يظهر من خلال روح التفاني في خدمة المجتمع الذي يعتبر نفسه جزءاً لا يتجزأ منه، وهو الأمر الذي يشجع الـمثقف فيما بعد على تقدير أهمية المال العام لأنه نوع من أنواع الادخار، وبالتالي فإن الفرد الذي تخرج من مصنع الهيئة التعليمية سوف يقبل على دفع الضرائب والاستثمار بشكل قوي، خاصة عندما تستكمل السلطتان التشريعية و التنفيذية مهمة الهيئة التعليمية بأن تحسن قيادة عمليات الاستثمار سواءً من خلال الأموال التي تجنيها من الضرائب المختلفة أم من رؤوس الأموال المتدفقة من جيوب المستثمرين المحليين والأجانب، مع التنويه بأن جمع الضرائب هو أشبه ما يكون في ادخار مال لكي يصرف للصالح العام وأن حسن استخدام هذا المال المحصل سوف ينعكس بلا شك وبصورة مباشرة خاصة عندما لا تفرض القوانين على المستثمر المحلي بقدر ما تشاركه السلطة التنفيذية في إعداد القرارات والقوانين والتشريعات الاستثمارية المناسبة والمحفزة، كيف لا وقد تعلم المستثمر هذا من خلال ممارسته لعملية الادخار في مراحل تعليمه المختلفة كطالب في دفع المبلغ الذي يدفعه في صندوق التعاون أو الادخار، وهنا تبدو أهمية الإعداد لعملية الادخار النوع الأفضل وبلا شك فإن الأفضل هو ما يتعلق بدعم الصالح العام. ومن هنا تستطيع المدرسة أو الجامعة أو أي معهد علمي أو مهني قد قضى الطالب زهرة شبابه فيه أن تكون بمنزلة الإعداد والتهيؤ للفرد من أجل دخوله إلى المجتمع بشكل سليم، وبالتالي فإننا يمكن أن نعتبر بأن الشذوذ والانحراف عن قواعد المجتمع بالنسبة لأي فرد هو بمثابة تقصير الهيئة التعليمية بحقه مما يدفعنا في هذه الحالة إلى التساؤل لماذا لم يتأثر هذا الفرد بالجهاز التعليمي خلال فترة إعداده في المجتمع الصغير ألا وهو المدرسة؟ هل هو ضعف في كفاءة وسلوك الهيئة التعليمية أم في عدم تعاون الأسرة معها ( أي الهيئة التعليمية ) ؟ أم بسبب خضوع هذا الفرد لجمود المواد التربوية والتعليمية الواردة في المنهاج الذي يدرس ؟أم أن خللاً حاصلاً بين واقع المجتمع والمراحل التي أعد لها هذا الفرد من أجل دخوله المجتمع وإلى غيرها من الأسئلة. ويبدو واضحاً وجلياً أنها لم تستطع أن تكمل مهمة التربية الأسرية وتكسب الفرد الذي انخرط في المجتمع حديثاً اعتقاداً بأن ما كان يتعلمه هو مثالي ولا يمكن تطبيقه، فتكون قد أخفقت فيما عملت وهدفت إليه على مدى سنوات عدة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق