*أريب محمد عبدالغني
لايقل إيراد العمالة في أي دولة مصدرة عن إيراد أي بضاعة ثمينه فيما إذا تم العناية بها ورعايتها الرعاية التي تستحق، وتهيئتها في التخصصات النوعية والمحددة كعمالة ماهرة ذات قدرات احترافية لتصديرها وفقاً لحاجة ومتطلبات الاسواق الخارجية التي تحتاج الى سد النقص والطلب من العمالة لديها، وعلى هذا السياق يمكن الاستدلال على ذلك بان نورد التجربة الناجحة للهند في هذا الاطار حيث بدأت بدخول مجال السباق لتحضير العمالة المطلوبة عالمياً منذ وقت لاباس به، لكي تعزز وتضيف إلى مواردها الاقتصادية ، وفوائد أخرى جمى، خاصة بعد أن اصبح الانفجار السكاني عبئاً وضغطاً كبيراً على عملية تنفيذ الاهداف والخطط التنموية الطموحة للهند ، ودعت الحاجة الخلاص لقسم كبير من السكان عن طريق تهيئتهم للعمل في الخارج لقاء شروط ومتطلبات عمل خاصة ونوعية لاتستطيع الحكومة خلقها وتأمينها لهم، لذلك لجأت إلى رفع مستوى التعليم في المدارس والمعاهد والجامعات والكليات إلى المستوى التعليمي والمعرفي الذي تعمل وتتقدم وتتطور به في مثيلاتها من الدول المتقدمة، والاستفادة من القاعدة العلمية المتاحة على ارضها وتوفيرها بتكلفة معقولة نسبياً مقارنة لما هي عليه تكلفت التعليم في البلاد المتقدمة أي أنها طبقت عنصر المنافسة العلمية والمعرفية الحديثة والنوعية، مما دفع بالبيوتات والشركات والمؤسسات المالية والصناعية والتجارية والاستثمارية... الخ في العالم إلى ان تقبل على استيراد العمالة الهندية، وهو ما رجح الكفة وبقوة لصالح الهند في سوق المنافسة الدولية بسبب اعتماد الهند بشكل واسع وخاصة على تقنية البرمجة والتكنولوجيا الحديثة والمتطورة، وبالتالي اجرت اتفاقات مع أهم المصادر والمؤسسات العلمية التقنية والتكنولوجيا في الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الاوروبي وغيرها من الدول التي بحاجة الى تلك النوعية من العمالة، لتأهيل الشباب الهندي في هذا المجال وبخاصة ابتكار وتطوير وتحديث التصاميم للبرامجيات وتركيب الشبكات وتشغيل وتأمين صيانتها وحمايتها، كما أنها قامت بإعداد وتدريب وتأهيل الكادر الفني والإداري والتقني اللازم لدخول الأسواق واساليب التعامل معها، وهو ما نراه فعلياً في تجارة وتسويق التقنية والتكنولوجيا وغيرها من المجالات الحديثة والمتطورة في أسواق دول الخليج واستطاع العقل الهندي السيطرة والاستحواذ على جزء كبير من السوق الخليجية في مجال العمالة الماهرة والرخيصة نسبياً وخاصة في مجال التقنية والتكنولوجيا.
يعود السبب في قدرت الهنود باستحواذهم على جزء كبير من السوق الخليجية في مجال تصدير العمالة الى القدرات والخبرات الواسعة التي اكتسبها العامل الهندي، حيث جرى تطويره وتأهيلة وتدريبة بزمن قياسي نسبياً، إضافة إلى رخص تكلفته التعليمية والتدريبية والتأهيلية بصورة عامة مقارنة بالخبرات الاجنبية المستوردة من دول أخرى، كما ان الهند قد عملت من سابق على أعداد نفسها لتصدير مدراء البنوك ومدراء الشركات والمعلمين والعمال الفنيين والمتخصصين بعملية بناء الطرق والجسور والأسواق .. الخ، بالطريقة الحديثة ووفق المتطلبات الدولية المعمول بها، ونظراً لأن نسبة العمالة الهندية الاعلى في دول الخليج الأمر الذي اجبر السكان المحليين ان يتعلموا اللغات الاجنبية وخاصة اللغة الإنجليزية، لكي يستطيعوا أن يتعايشوا مع هذا الكم الهائل من الناس ومن مختلف الجنسيات الذين يعملون في منطقة تعد واحدة من أهم الشراين الاقتصادية المتدفقة في العالم، وتم معالجة استمرارية وحيوية الهنود بالمحافظة على تطورهم العلمي أثناء عملية الاغتراب باهتمامهم وبشكل دائم ومستمر بتعليم أبنائهم، وبالتالي أعدو انفسهم لكي يكونو مصدر دعم للاقتصاد الهندي وبتواصل دائم ومستمر، لا بل إنهم شكلوا نواة تغذى بالمعلومات والامكانيات اللوجستية اللازمة للراغبين من الشباب بالالتحاق بهم في سوق العمل في دول الاغتراب والمهجر، ولهذا نرى وبشكل واضح وجلي أن عملية سيطرت واستحواذ العمالة الهندية في دول الخليج كانت ومازالت في تزايد وارتفاع مستمر، لذلك نجد ان الحكومات الخليجية تنبهت لهذه المسألة وبتبعاتها على المستوى المستقبلي وتاثيراتها على السكان اجتماعياً وثقافياً وبالتالي انعكاسها على امنها واقتصادها، فبدأت باعتماد القيود التي لاتسمح بالوصول الى ذلك ومن أهمها: تطوير مناهجها التعليمية بحيث تستطيع مع مرور الزمن أن تستبدل وتجري الاحلال اللازم للعمالة الأجنبية المستوردة بالعمالة المحلية المؤهلة والمدربة والقادرة على مسك زمام الامور بالتحكم والادارة وفق خطط ممنهجة قصيرة وطويلة المدى.
وعلى العموم فإن ذلك الاتجاه لن يؤثر على الاطلاق في نمو الاقتصاد الهندي الذي عمل العقل الهندي على تجاوز تأهيل وتدريب العمالة إلى مستوى عالمي بحيث فتحت ألمانيا وعلى سبيل المثال لا الحصر أبوابها للعمالة الهندية وخاصة في المجالين التقني والتكنولوجي مانحة الإغراءات الكفيلة بجلب الشباب المثقف والمتمكن تقنياً وتكنولوجياً إلى الاغتراب والهجرة والعمل فيها، وطبعاً فان حصة مساهمة الشباب الهندي من هذا الاغتراب وفرص العمل تعد بنسبة كبيرة وعاليه، وكان من أهم هذه الإغراءات منحهم الجنسية الألمانية فورياً ، تجدر الاشارة الى ان العامل الذي ساعد على استيعاب العمالة الأجنبية ولاسيما منها الهندية في ألمانيا هو التناقص المستمر للسكان لديها بصورة عامة واحتياجاتها المتصاعد من العمالة المتخصصة والماهرة بصورة خاصة، وفضلت بأن تجري عملية التطعيم السكاني باستيراد الافراد الذين يساعدونها على قوة نموها الاقتصادي والمحافظة على رخائها المجتمعي وتمثل المانيا القوة الاقتصادية الكبرى في الاتحاد الأوروبي واحدى اقطاب الاقتصاد العالمي.
وكم كنت اطمح ان تكون العمالة اليمنية وطوال السنوات العشرين الماضية وحتى اليوم قد اعدت نفسها لتكون الأجدر على القيام بهذه المهمة العلمية والعملية لنكون اليوم مستعدين أن نصدر الاعداد الزائدة عن حاجتنا في السوق المحلية وبدون ان يؤثر ذلك على مخزوننا البشري من طاقات المهندسين والمبرمجين والفنيين في هذ المجال العلمي والعملي الحيوي والتي بلا شك ان الدولة ساهمت وقدمت الدعم المادي والمعرفي المباشر والسخي بابتعاثها اعداد كبيرة للخارج للدراسة لصقل المواهب والابدعات المكنونة لدى ابنائها ليعودوا فيما بعد الى البلد مشكلين النواة المعرفية والعملية اللازمة والقادرة على ان تخرج اعداد مضاعفة داخل البلد فيما بعد، ولكن السؤال الذي يتبادر الى الذهن اين ذهب الخريجين والمبدعين والمبتكرين العائدين من الدول التي ابتعتثهم وتبتعثهم الحكومة للخارج ممثلة بمؤسستنا التعليمة والعلمية والمعرفية وعلى وجه الخصوص علم الحاسوب والبرمجيات وهندسة الكمبيوتر ونظم المعلومات ... الخ؟ وماذا حققوا للبلد بعد كل هذا المجهود الذي بذل طوال السنوات العشرين الماضية و صرفت عليهم الاموال الطائلة في سبيل تحقيق اغلى وانبل غاية وهى خدمة وطننا ومجتمعنا ؟ وأذكر في هذا المجال بأن خطأ كبيراً قد ارتكب من قبل مؤسساتنا التعليمة الرسمية في هذا المجال عندما خرجت اعداد كبيرة من شببانا الى السوق المحلية بدون وجود رؤية وحاجة واضحة او استراتيجية عملية للاستفادة منهم واستيعابهم في سوق العمل المحلية لذلك اجزم بأن الكثير منهم قد اصبحوا اما عاطلين عن العمل او يمارسوا مهن غير ذات جدوى اقتصادية علمية وعملية وتقنية وتكنلوجيا لصالح البلد والنهوض به، إذاً لقد خسرنا كوطن إيراداً ضخماً وفوائد جمى واهدرنا طاقات بشرية و مادية وعلمية وعملية ووقت وجهد كان من المفترض والمؤمل منه ان يوجه ويسخر لتطوير اقتصادنا ومجتمعنا وتسريع وتائر السير في طريق التقدم الحضاري الذي ننشده جميعنا،إضافة إلى صنع النواة الحقيقية والقوة العلمية والعملية الضرورية والمغذية للتنمية والبناء للوصول الى الرخاء المنشود و للاستمرار في قدرتنا الحيوية والعملية على تصدير العمالة بالصورة النوعية والكيفية الجديدة والمتطورة، خاصة عندما تعمل هذه النواة على تعليم وتدريب وتأهيل العناصر اللازمة و الشابة الراغبة في بناء وطنها او الطامحة الى الاغتراب والهجرة، ولتوسيع الخيارات امام الباحثين عن فرص عمل في الداخل والخارج.
تبرز اهمية تصدير العمالة الى الخارج في انها تتمتع بثلاث فوائد عملية : الأولى: جلب الإيرادات والتحويلات النقدية والمالية والمستثمرين ورؤس اموال المغتربين والمهاجرين بالخارج وبالعملات الأجنبية الى داخل البلاد ذلك ان البلد لها حق على مغتربيها ومهاجريها طالما انها قدمت ووفرت لهم الدعم السخي واستطاعت ان تربطهم بوطنهم وبكل الوسائل والامكانيات الممكنة، والثانية: هو المساعدة بالحفاظ على مستوى الدخل ذلك ان العاطل عن العمل يقاسم العامل رزقه، أي أن العاطل عن العمل يشكل عبئاً مادياً على الشخص العامل في الاسرة الواحدة، وبالتالي يوسع الاغتراب والهجرة المجال في ايجاد فرص عمل للعاطلين عن العمل ويوسع الخيارات امامهم، والثالثة: انتشار العمالة اليمنية على المستوى الاقليمي والعالمي يمثل قوة دعائية وترويجية وتسويقية لنا كوطن يمتلك كل مقومات التطور والتحضر والرخاء، حيث يمكن اعتبار العمال اليمنيين سفرائنا في الخارج يساعدوننا على اتساع الصلة والتواصل والترابط بالعالم الخارجي من جهة ومن جهة اخرى يعزيز اتجاهنا وانفتاحنا على العالم، ويمنحنا الوسيلة الفعالة للتعريف بحضارتنا ومنتجاتنا في بلادن الاغتراب والمهجر.
*باحث وكاتب متخصص بالشئون الاقتصادية
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق