السبت، 27 مارس 2010

الخصخصة .. تفعيل لسياسة الإصـلاح الإقتصادي

الخصخصة .. تفعيل لسياسة الإصـلاح الإقتصادي


اعتمدت الدول النامية في السيتينات بالدرجة الاولى على القطاع العام في العملية التنموية وشهد عقد السبعينات زيادة كبيرة في عدد شركات هذا القطاع بحيث اصبحت تتواجد في كل المجالات الاقتصادية بدون استثناء.

وبينت التجارب ان اداء معظم هذه الشركات كان غير مرضي وكفأتها كانت متدنيه، ومن اهم اسباب هذة النتائج عدم الالتزام بالقيود المالية المفروضة على تلك الشركات وكذلك تعدد اهدافها ، ومن ابرزها اهداف اجتماعيه مثل توفير الاستخدام والسلع والخدمات المدعمه وبالتالي كانت معظم هذة الشركات تعاني خسائر مما يجعلها عبئاً على ميزانية الدولة وسبباً في اعاقة عملية التنمية الاقتصادية بدلا ًعن تطورها .

وفي ضوء الضغوط التي تعرضت لها اقتصاديات عدد من الدول النامية في عقد الثمانينات والناتجة عن ازمة الديون والتي اعقبها انخفاض كبير في التمويل الخارجي ، ومن اجل التخفيف من الاختلالات على المستوى الاقتصادي المتبعة اصبحت هذة الدول تطبق سياسات مالية انكماشيه تتمثل في التخفيض من النفقات والزيادة في الايرادات ، وفي هذا الاطار برزت الخصخصة بالنسبه لهذة الدول ، فدول أروبا الشرقية مثلاً تمثل الخصخصة بالنسبة لها وسيلة للانتقال من اقتصاد مركزي الى اقتصاد السوق بينما تمثل الخصخصة بالنسبة لدول امريكا اللاتينية وسيلة لتثبيت اقتصادياتها وتخفيض ديونها الخارجية، كما هدفت دول اخرى مثل فرنسا وبريطانيا الى توسيع قاعدة الملكية بإنسحاب الحكومة من بعض النشاطات الاقتصادية.

ماهى الخصخصة

الخصخصة هى تحويل الاصول واعمال الخدمة العامة من القطاع العام الى القطاع الخاص، وتهدف الخصخصة الى تحسين الكفاءه الاقتصادية من خلال الاعتماد على اليات السوق وتخفيف الاعباء المالية للدولة التي تسببها شركات القطاع العام الخاسره وتطوير الاسواق المالية وتوسيع قاعدة الملكية.

اهداف الخصخصة

عمدة الدول التي تتبنى الخصخصة لتحقيق عدد من الاهداف والتي من اهمها..

- تحسين الكفاءة الاقتصادية من خلال الاعتماد على على اليات السوق والمنافسة.

- تخفيف الاعباء المالية للدول التي تسببها شركات القطاع العام الخاسرة وبالتالي تتمكن الدول من توفير موارد مالية لتمويل انشطة اخرى.

- توسيع حجم القطاع الخاص والاعتماد علية اكثر في عملية النمو والتنمية.

ومن الاهمية الاشارة الى ان هذة الاهداف لايمكن تحقيقها جملة واحدة ، فقد تؤدي الى فشل عملية الخصخصة ، ذلك ان الحكومة اذا ارادت مثلاً تحسين اداء شركة ما ورفع كفاءتها فإنها تحتاج الى بيع نسبة كبيرة منها الى مستثمر استراتيجي محلي كان او اجنبي واذا كانت الحكومة في نفس الوقت تهدف الى توسيع قاعدة الملكية فانها تحتاج الى توزيع اسهم تلك الشركة على اكبر عدد ممكن من المستثمرين، ومن هنا تبرز اهمية اختيار طريقة من طرق الخصخصة التي تتناسب مع الاهداف ولا تتسبب أي طريقة من التضارب بين هذة الاهداف.

طرق الخصخصة

للخصخصة طرق مختلفة ولكل منها مزاياها وعيوبها ويعتبر اختيار الطريقة المناسبة من اهم عناصر نجاح عملية الخصخصة ، ويمكن تصنيف طرق الخصخصة الى نوعين رئيسيين ، طرق لاتنهي ملكية الدولة واهم طريقة هي خصخصة الادارة والتي يندرج تحت هذا التصنيف (التعاقد والمشروعات المشتركة)، وطرق تنهي ملكية الدولة وهي ماسنتناولها في سياق مقالنا وبشكل مفصل، واهم هذة الطرق هى...

1- البيع المباشر

تعتبر عملية البيع المباشر من اكثر الطرق استخداماً في عمليات الخصخصة وقد تأخذ طريقة البيع المباشر اشكالاً مختلفة فهناك البيع المباشر من خلال طلب عروض او مزاد علني او لمستثمر استراتيجي بما يعني ان العنصر المشترك لمختلف انواع البيع المباشر هو عدم وجود وسطاء بين الدولة والمشتري.

- طلب العروض

تتم طريقة طلب عروض الدولة من المقارنة بين مختلف العروض واختيار المشتري الذي يعرض اعلى الاسعار، وهذة الطريقة تتميز بالشفافية حيث ان اليتها واضحة وتقديم العروض مفتوح لكل المستثمرين الذين يرغبون في المنافسة على شراء الشركة ، الا ان هذه الطريقة رافقتها عيوب في انها بطيئة حيث تتطلب كل عملية فترة زمنية ليست بلقصيرة كما انها تتطلب نفقات ادارية مرتفعة ، وقد استخدمت هذة الطريقة في المملكة المغربية لخصخصة عدد من الفنادق.

- المزاد العلني

تتميز طريقة المزاد العلني بدرجة اكبر من الشفافية كما انها تمكن الدولة من تعظيم ايرادات الخصخصة علاوة على انها سريعة وغير معقدة ، الا ان عيوبها الرئيسية تكمن في انها لاتسمح للدولة بفرض شروط محددة للبيع، ولكي تضمن الدولة نجاح عملية بيع شركة من خلال المزاد العلني يجب ان تقوم الدولة بالترتيبات اللازمة للتاكد من وجود عدد كاف من المتنافسين في المزاد ومن عدم التواطؤ بين بعضهم، وقد استخدمت هذة الطريقة في تونس لخصخصة جزء من الشركة الصناعية التونسية للكهرباء (سيتل).

- المستثمر الاستراتيجي

عندما يتطلب وضع شركة ما ادخال تكنلوجيا متطورة لتحسين ادائها ورفع كفائتها تلجى الى اختيار مستثمراً استراتيجياً يتميز بخبرة عالية في هذة الصناعه وامكانيات واسعة ، وتتم عملية البيع من خلال التفاوض مما يسمح للدولة بوضع شروط محددة على المستثمر ، وقد استخدمت هذة الطريقة في الاردن وتعتبر من اوائل الدول التي تخوض تجربة الشريك الاستراتيجي وهدفت الى تطوير مصانع الاسمنت فنياً حتى تتمكن من تحسين النوعية والكفاءة الانتاجية اضافة الى فتح اسواق جديدة.

2- بيع الاسهم في الاسواق المالية

عادة ما تستخدم هذة الطريقة لبيع الشركات التي تتمتع بوضعية مالية جيده وذات حجم كبير ، ومن خلال هذة الطريقه تعرض اسهم الشركه للجمهور عادة بسعر ثابت وقد تعرض هذة الاسهم لاول مرة في السوق كما تم في مصر وتونس والمغرب ، ففي تجربة مصر ُطرحت لاول مرة اسهم حوالي 10% من اصل 314 شركة عام 1992 وذلك بهدف دراستها كتجربه وامكانية التوسع في حالة نجاحها ، وهو ما حدث بالفعل عندما اثبتت هذة التجربة فعاليتها والاقبال على شراء هذة الشريحة الصغيرة ، وقد ادى ذلك الى قيام الحكومة بتوسيع طرح بقية الشركات بعد دراسة اوضاعها طوال الفترة الماضية.

لقد شجع القانون المصري صغار المستثمرين على شراء الاسهم بهدف توسيع قاعدة الملكية لتشمل اكبر عدد من المواطنين وتوخت الحكومة المصرية الحرص على عملية تحويل الملكية تدريجيا ًوأعطت ضمانات كثيرة اهمها منع الاحتكار ، كما وضعت ضمانات للعمالة الموجودة في هذة الشركات المخصصة ، حيث خصصت 10% من اسهم كل شركة للعاملين بها وبالتالي تم تحويل العاملين الى ملاك ، وبعد نجاح هذة التجربة طرحت الحكومة المصرية في سوق الاوراق المالية عام 1996 اسهم 15 شركة ، صناعية وغذائية وهندسية ونقلت بالكامل الى المستثمرين المصريين والعرب والاجانب وكانت شروط تملك هذة الشركات زيادة نشاطها بالسوق واستمرار نوعية وطبيعة الانتاج للتصدير الى الاسواق الخارجية وعدم المساس بحقوق العاملين دون الرجوع الى الدولة.

ورعوي في اختيار هذة الشركات على اساس انها تعمل في انشطة مماثلة للقطاع الخاص ولايمس انتاجها الامن القومي الاستراتيجي وانها ستوفر 15 الف فرصة عمل جديدة.

وتتميز طريقة الخصصة عن طريق سوق الاوراق المالية بدرجة عالية من الشفافية حيث يتم الترويج لعملية البيع، كما يتم الكشف عن القوائم المالية للشركة تماشياً مع شروط البيع من خلال الاسواق المالية ، ويمكن للدولة ان تبيع اسهم الشركة التي تملكها في السوق مباشرة من خلال الاكتتاب العام او من خلال متعهد اصدار بما قد يخفض من المخاطر على الدولة، كما يمكن للدولة طرح الاسهم في السوق المحلية او الاسواق العالمية.

ان الميزة الرئيسية لطريقة بيع الاسهم في الاسواق المالية هى توسيع قاعدة الملكية الخاصة عندما تضع الدولة قيوداً على كمية الاسهم التي يمكن لكل مستثمر شراؤها،ففي الكويت مثلاً تعطي الهيئة العامة للاستثمار ( وهى الجهة الحكومية المشرفة على عملية الخصخصة) الافضلية في الاكتتاب للمستثمرين الصغار بما يسهم في توسيع قاعدة الملكية، كما تسهم طريقة بيع الاسهم في الاسواق المالية في تطوير الاسواق المحلية كما هو الحال في عدد من الاقطار العربية.

تعتبر عملية بيع الاسهم في الاسواق المالية المحلية والدولية ثاني اهم طريقة للخصصة حيث مثلث 12% من اجمالي عمليات الخصخصة بين عامي 1988- 1993 وحوالي 39% من اجمالي ايراداتها وتدل هذة الارقام على القيمة المرتفعة لمتوسط عملية الخصخصة من خلال الاسواق المالية.

ان نجاح عملية بيع الاسهم في الاسواق المالية يتوقف على حجم السوق بالنسبة لحجم عملية طرح اسهم شركة ، واذا كان حجم السوق صغيراً فانة سيؤثر على سعر السهم وفي هذة الحالة يمكن طرح اسهم الشركة على دفعات حتى يتمكن السوق من استيعابها وهذا ماتقوم به عدد من الدول النامية التي لاتتمتع باسواق مالية ذات راسمالية عالية من بينها الدول العربية مثل مصر.

3- البيع للعاملين والادارة

ويطلق عليها ايضاَ (الخصخصة الداخلية) حيث يحصل العاملون والادارة على كل الشركة او على اعلى نسبة معينة منها ، وتتمتع هذة الطريقة بعدد من المزايا اهمها انها تستند على دعم سياسي وشعبي حيث لاتحتاج الحكومة الى الدخول في مفاوضات مع المشترين لكي تحصل على ضمانات حول مستقبل العمالة وتترك هذة القضية للعاملين والادارة ، وتعتبر هذة الطريقة مناسبة لتحويل ملكية الشركات التي يصعب بيعها باي من الطرق الاخرى، تمثل هذة الطريقة حافزاً كبيراً لرفع الانتاجية وتحفيض التكاليف ذلك انها توحد بين مصالح العاملين والادارة، وهى في الوقت نفسة اداة فعالة لتوسيع قاعدة الملكية.

ومقابل هذة المزايا فإن هناك عدد من العوائق والعيوب لهذة الطريقة ذالك ان تطبيقها لخصخة عدد من الشركات بدون التفرقة بين الناجحة منها وتلك التي تعاني اختلالات هيكلية ومالية فانها تصبح غير عادلة وغير متوازنه حيث سيستفيد المعنيون من الشركات الناجحة بدرجة كبيرة بينما الاخرون سيستمرون في المعناة من المشاكل نفسها، كذلك فإن اعطاء الافضلية للعاملين والادارة قد يلغي المنافسة في عملية الخصخصة نظراً لان المستثمرين الاجانب مبعدون من العملية وقد يترتب سوء تسعير الشركة الى خسائر كبيرة على الحكومة ، ومن العيوب المحتملة ايضاَ، عدم تحسن اداء الشركات ورفع كفأتها بعد تحويل الملكية ذلك انه عادة مايكون العاملون غيرقادرين مالياًعلى ادخال تكنلوجيا حديثة في عملية الانتاج او مهارات عالية في ادارة الشركات.

تركزت معظم عمليات الخصخصة من خلال هذة الطريقة على الشركات صغيرة الحجم والتي تعتمد على عنصر العمل في العملية الانتاجية ، وقد استخدمت هذة الطريقة في عدد من دول اوربا الشرقية وتشلي وحتى بريطانيا.

4- نظام الكوبونات (القسائم)

تعتمد هذة الطريقة على اساس تحويل سريع لنسبه كبيرة من اصول القطاع العام الى مجموعة واسعة من المواطنين بحيث يتم تجميع الشركات التي سيتم خصخصتها بدلا ًمن خصخصتها بشكل منفرد (على حدى)، وتأخذ هذة الكوبونات شكل شهادات يمكن لاصحابها تحويلها الى اسهم في شركات القطاع العام من خلال مزاد علني.

تبداء الية هذة الطريقة بنشر قائمة لمجموعة الشركات المراد خصخصتها ومعلومات عن ادائها بما في ذلك قيمتها الدفتريه وعدد العماله في كل شركه وديونها العامة ، ويحق لكل مواطن فوق السن القانوني الحصول على الكوبونات التي تسمح له بالدخول في في المزايده على اسهم المشروعات التي ستتحول الى القطاع الخاص وتقدم الدولة هذة الكوبونات اما مجاناً او غالباً بدفع رسوم رمزيه لتغطية التكاليف الادارية الخاصة بادارة البرنامج ، ويمكن للمواطن حامل الكوبون تحويله الى اسهم الشركة مباشرة من خلال المزاد او استثماره في احد صناديق الاستثمار الخاصة والتي ظهرة بصورة مستقلة في عملية الخصخصة، فيمكن استعمالها لشراء اسهم الشركات التي تتم خصخصتها بينما في دول اخرى تستعمل الكوبونات لشراء شهادات تصدرها صناديق الاستثمار بدلاً عن شراء الاسهم مباشره.

ان الهدف الرئيسي لهذة الطريقة هو انشاء قاعدة لاقتصاد السوق وذلك من خلال خصخصة شركات القطاع العام باكبر سرعة ممكنة، ومن ابرز مزايا هذة الطريقه انها تعالج المشكلة الجوهريه التي تواجهها الدولة عند بيع شركات القطاع العام وهى نقص راس المال المحلي حيث توفر كوبونات للمواطنين لاستعمالها في شراء الشركات، ويتم كذلك بهذة الطريقة التغلب على مشكلة كيفية تقدير اصول المشروعات .

المشكلة الرئيسية لهذة الطريقة انها لاتؤدي الى تحسين الكفاءة الاقتصادية حيث ان توزيع الملكية على عدد كبير من المستثمرين قد لايوفر الظروف المناسبة لتحسين اداء الشركة خاصة عندما يوجد نقص في رأس المال لتطويرها ونقص المهارات لتسيرها في اطار اقتصاد السوق، وقد طبقت هذة الطريقة على نطاق واسع لدول اوربا الوسطى والشرقية منذ بداية التسعينات.

لقد طبقت الخصخصة في عدد كبير من الدول المتقدمة والنامية واظهرت التجارب تعدد طرق الخصخصة ويتوقف اختيار انسب طريقة على مجموعة عناصر اهمها الهدف من عملية الخصخصة وحجم ومجال الشركة ووضعها المالي ، ومدى تطور الاطار القانوني ، والاسوااق المالية ، وخصائص المشترين والمستثمرين، وعادة ماتختار الحكومة اكثر من طريقة للخصخصة نظراً للاختلاف في ما ذكر وبالتالي يصعب الحكم على هذة الطريقة والمقارنة بينها ، وبمعنى اخر يمكن ان تكون طريقه ما افضل الطرق في ظروف معينة ولاكن لايمكن ان تكون الافضل في كل الظروف.

ليست هناك تعليقات: