الاثنين، 28 ديسمبر 2009

الإطار القانوني والتنظيمي للترويج للاستثمار بالجمهورية اليمنية

أريب محمد عبد الغني
من المهم الإشادة بتوجهات الحكومة التي التزمت بإجراء جملة من الإصلاحات فيما يتعلق بالسياسات والأهداف والآليات إضافة إلى القوانين والتشريعات والقرارات والإجراءات العملية لتحرير نظام الاستثمار المباشر في بلادنا، وبدأت خطواتها العملية بتشجيع الاستثمار المباشر عن طريق تقديم الحوافز والامتيازات والإعفاءات والتسهيلات الاستثمارية طول 19 عام الماضية، وتسعى اليوم بقوة إلى دمج اليمن في الاقتصاد العالمي والإقليمي من خلال انضمامها إلى منظمة التجارة العالمية ومجلس التعاون الخليجي، وتلك الجهود الحثيثة والمتواصلة التي تبذلها لتشجيع الاستثمار المباشر يتوافق مع إستراتيجية أوسع واشمل لتحسين مناخ وبيئة الاستثمار،من خلال التركيز على تطوير وتحسين القطاعات الاقتصادية غير النفطية، وبالبيئة والمناخ الاستثماري وتشجيع القطاع الخاص الذي أسند له الدور كشريك أساسي وداعم لعملية التنمية الشاملة،لجذب واستقطاب رؤوس الأموال والاستثمارات،وتعزيز وتطوير وتقوية القطاع المالي والمصرفي،بالإضافة إلى إنشاء وتحديث المحاكم التجارية في محافظات الجمهورية والحد من البيروقراطية والروتين الإداري.


لقد تلقت بلادنا دعماً قوياً وغير مسبوق في مؤتمر لندن للمانحين المنعقد في نوفمبر 2006م بأكثر من 5 مليار دولار لمساندة الحكومة في انجاز الخطة الخمسية الثالثة للتنمية الاجتماعية والاقتصـــادية والــحـــد مــن الفقر ( 2006- 2010)، وكانت الحكومة قد أعدت هذه الخطة بالتعاون مع الإستراتيجية القطرية للبنك الدولي لمساعدة اليمن، وتتضمن الخطة الخمسية الثالثة أهدافاً طموحة متوسطة وطويلة الأمد، من أهمها تحسين المناخ والبيئة الاستثمارية لليمن، ولهذا الغرض فقد عمدت الحكومة إلى إعداد برنامج واسع وشامل لتحسين مناخ وبيئة الاستثمار بهدف مساعدتها على تحسين وتعزيز الإطار القانوني والمؤسسي لتنظيم وتسهيل الاستثمار المباشر والأنشطة الترويجية، وتقدمت الحكومة بطلب الدعم الفني من المكتب الاستشاري لخدمات الاستثمار الأجنبي فياس (FIAS) للقيام بإجراء دراستين، تتركز الأولى حول توزيع المهام والمسؤوليات الخاصة بتنظيم الاستثمار الأجنبي المباشر والترويج له بهدف تحسين مبدأ الشفافية وكفاءة الخدمات الحكومية المقدمة للمستثمرين، بينما تركز الدراسة الثانية على تحديد سياسات الاستثمار الأجنبي المباشر وإطاره القانوني لملائمة وجودة السياسات المؤسسية والبيئة القانونية والتشريعية للترويج للاستثمار المباشر وتسهيله، وتقديم التوصيات المساعدة على التخلص من المعوقات أمام الاستثمار المباشر و تطوير سياسات مؤسسية وإطار قانوني منظم ومتوافق مع متطلبات الاستثمار المباشر، وقام المكتب الاستشاري لخدمات الاستثمار فياس (FIAS)، بإجراء المراجعة والدراسة خلال الفترة 22 ابريل - 2مايو 2008، وأجرى خبراء من المكتب مقابلات مع شخصيات مهمة في الحكومة و شركاء آخرين من القطاع الخاص ورجال أعمال ومستثمرين في كل من محافظتي صنعاء وعدن، وتمت مناقشة النتائج الأولية لهذه المهمة والتقرير في ورش عمل تشاوريه عقدت بصنعاء ، وأوصى التقرير بالقيام بعملية الفصل المؤسسي لتنظيم الاستثمار الأجنبي المباشر عن عملية الترويج وتسهيل للاستثمار لكي يتسنى للجهات التنظيمية والجهات الترويجية التميز كلاً في مجاله، وتطبيق إصلاحات تنظيمية مكثفة ودائمة لتحسين المناخ الاستثماري، فضلا عن إنشاء وتنفيذ إستراتيجية وطنية للترويج المباشر الأجنبي كما أوصى التقرير بأن تأخذ هذه الإستراتيجية بعين الاعتبار المصالح والاحتياجات والأهداف الوطنية العليا، ولكي تنجح الإستراتيجية فإنها تحتاج أن يتبناها كافة الشركاء والداعمين والجهات الحكومية والخاصة ذات العلاقة والمشاركة الفعلية والعملية في بلورتها وإعدادها، وغطت المراجعة المؤسسية جميع مكونات خطة الترويج للاستثمار الأجنبي المباشر بما في ذلك سياسة التأييد التي تشمل: قضايا التحديد والمنع والحلول ذات الصلة بمناخ الاستثمار وبناء الصورة الايجابية لليمن والوصول للمستثمر وتحديد ومتابعة مجالات الاستثمار وتسهيل الاستثمار ومساعدة المستثمرين لتسهيل وتبسيط الإجراءات الإدارية.

إن إصدار قانون الاستثمار رقم (22) في العام 2002م، الذي احتوي على حوافز مالية اعتبرت سخية لتشجيع الاستثمار المباشر، منح الهيئة صلاحيات واسعة لمواجهة القصور الكبير في الجوانب التنظيمية والبيروقراطية، وكان من المتوقع والمؤمل أن تلك الإجراءات ستجذب المستثمرين الأجانب، إلا أن الاخفقات التي رافقت تحقيق أهداف الاستثمار المباشر لجذب رؤوس الأموال والمستثمرين الأجانب لم تعوض القصور الموجود في مناخ الاستثمار سواء كان ذلك القصور في السياسات أو في النواحي التنظيمية، أضف إلى ذلك فقد وجدت الهيئة نفسها مثقلة بالقصور في الجوانب التنظيمية وأن مواردها وطاقاتها تنحرف عن مسارها الرئيسي المتمثل بالترويج للاستثمار ، لذلك أوصى تقرير المكتب الاستشاري لخدمات الاستثمار الأجنبي فيأس (FIAS) بالعمل على فصل الجهود المبذولة في الترويج للاستثمار الأجنبي المباشر وبين جهود التنظيم له، وإعداد وتنفيذ إستراتيجية وطنية موحدة للترويج للاستثمار الأجنبي المباشر، بحيث تكون الهيئة العامة للاستثمار هي المحرك والدينمو لتلك الإستراتيجية بالتنسيق مع الجهات الحكومية ذات العلاقة والشراكة مع القطاع الخاص، وإعداد وتنفيذ إصلاحات مكثفة ومستمرة للوائح المنظمة للاستثمار الأجنبي المباشر، كما أكد التقرير على أنه ينبغي أن يكون للإستراتيجية الوطنية للترويج للاستثمار دور في تحديد أهداف واضحة للاستثمار الأجنبي المباشر تكون قابلة للقياس، وتحديد علاقات واضحة بين أهداف الاستثمار الأجنبي المباشر والأهداف العامة للخطة الإستراتيجية للتنمية، ولابد من التخلص المنظم للعوائق والصعوبات، وتحسين مقومات الاستثمار وهى من الأمور الهامة والأساسية لنجاح اليمن في جذب الاستثمار الأجنبي المباشر، كما يجب استبدال النظام الحالي للإجراءات الخاصة بتسجيل المشروعات الاستثمارية بنظام تسجيل بسيط وسهل بإتباع الممارسة الجيدة،عن طريق دراسة مقومات وحوافز الاستثمار بعناية ودقة، وطالب التقرير بتبسيط الإجراءات الإدارية الأخرى المطلوبة للاستثمار المباشر والتقليل منها، وعلى أهمية منع التداخل والتعارض بين جهود الترويج والتنظيم له.

وعلى الرغم من أن قانون الاستثمار رقم (22) لسنة 2002 يعتبر حديثا ومتقدماً عن غيره من القوانين المعمول بها بالمنطقة لاحتوائه على نصوص قانونية وإجرائية تتجه نحو الممارسات المثلى في هذا المجال إلا أن التقرير اعتبر النظام القانوني والتنظيمي الحالي لا يزال بحاجة إلى توضيح وتحسين، فالمجال متاح أمام الحكومة لجعل مناخ الاستثمار المباشر يصل إلى المعايير المتبعة في الدول النامية الأخرى، أضف إلى ذلك أن النظام القانوني والتنظيمي يُعد واحداً من المعايير العديدة التي يعتمد عليها المستثمر الأجنبي، ومع أن القانون الحالي والنافذ يتعامل مع المستثمر الأجنبي معاملة المستثمر المحلي إلا انه مع صدور قانون الاستثمار رقم (22) لسنة 2002 تجاوزت صلاحيات الهيئة من ممارسة مهام الترويج والتسهيل للاستثمار إلى مهام التنظيم المباشر مستحوذة بذلك على الصلاحيات القانونية الممنوحة للجهات التنظيمية الأخرى، مما أدى إلى تحويل الهيئة العامة للاستثمار عن مهمتها الأساسية وهي الترويج للاستثمار، وقد أدى هذا اللبس والخلط في منح الصلاحيات والمهام من قبل الحكومة إلى التقليل من جاذبية اليمن كموقع للاستثمار الأجنبي المباشر.

أوصت الدراسة بإجراء التعديلات على قانون الاستثمار رقم (22) لسنة2002م بحيث يمنح الصلاحيات لهيئة يكون تركيزها على الترويج للاستثمار وتسهيل الإجراءات، وأن لا تقوم بوظيفة التنظيم للاستثمار، وينبغي حذف النصوص القانونية من قانون الاستثمار الحالي والنافذ التي لا تميز بين المستثمرين اليمنيين والأجانب، وأن يستبدل تحديد القطاعات المشرعة للاستثمار بقائمة بسيطة تؤكد بوضوح إلى أن الاستثمار الأجنبي المباشر مسموح به في جميع القطاعات، وينبغي تعديل قانون الاستثمار الحالي والنافذ من أجل تعزيز الضمانات الممنوحة للمستثمرين ومن ثم ملائمة تلك الضمانات مع الممارسات الدولية المثلى، كما ينبغي أن يحتوي قانون الاستثمار على أحكام واضحة تضمن حقوق الملكية الفكرية للمستثمر، وتضمن حماية العلامات التجارية بموجب القوانين واللوائح اليمنية السارية، كما هو منصوص عليه في قوانين مجلس التعاون الخليجي، وأوصت الدراسة بمنع أية حوافز مالية للمستثمرين الأجانب بموجب قانون الاستثمار البديل بل بموجب قانون الضرائب، وإلغاء الحوافز الاستثمارية كليةً لأنها من غير المرجح أن تجذب معظم أنواع الاستثمارات الأجنبية المباشرة التي تبحث عنها بلادنا، وبدلا عن ذلك يجب على الحكومة الأخذ بعين الاعتبار مسألة تركيز الجهود على تحسين أنظمة الاستثمار الأجنبي المباشر والترويج له وتقديم حوافز ضريبية أفضل مثل الإهلاك المعجل، والحصص الضريبية، والإعفاءات الضريبية لنفقات الاستثمار، وأكدت الدراسة إجراء تعديلات على قانون البنوك رقم (38) لسنة 1998 بحيث يمنح الصلاحيات لوضع اليد على فروع البنوك الأجنبية العاملة في اليمن فقط عندما تعلن الجهات المختصة في بلد المستثمر عن الإفلاس أو التصفية لتلك البنوك، كما أوصى بإعادة النظر والمراجعة المستفيضة لقانون الأراضي الحالي.

اعتمدت الحكومة نظام النافذة الوحدة منذ وقت مبكر إلا أن الاختلالات وتضارب الصلاحيات بين الهيئة والجهات الحكومية الأخرى حالت دون تفعيل هذا النظام وقد كان لتوجيهات فخامة الأخ / رئيس الجمهورية حفظة الله للحكومة في مضامين كلمته التاريخية لمؤتمر استكشاف فرص الاستثمار 2007م في اليمن بتفعيل نظام النافذة الواحدة وإعطاء كافة التسهيلات والصلاحيات للهيئة العامة للاستثمار ومواصلة بذل الجهود الجادة والهادفة إلى خلق مقومات البيئة الاستثمارية الجاذبة الأثر البالغ والكبير لتفعيل نظام النافذة الواحدة، والحكومة بصدد الانتهاء من وضع تقييم على المستويين المركزي والمحلي للبيئة المؤسسية وبيئة السياسات التي تنظم الاستثمار عن طريق ممارسة الصلاحيات والتفويض الكامل لاتخاذ القرارات لتسهيل إجراءات إنشاء المشاريع الاستثمارية ، وبلورة إستراتيجية وطنية واضحة لتحسين بيئة الاستثمار تمثل أحدى أبرز الأولويات الحكومية خلال المرحلة المقبلة، وبلورة الرؤى المتعلقة بتشخيص واقع الاستثمار وطبيعة المعوقات والمعالجات التي يجب اتخاذها لتجاوز هذه المعوقات وبما يسهم في تحديد ملامح واضحة لخارطة الطريق للاستثمار في اليمن والاستفادة من مخرجات ونتائج الدراسة المعدة من قبل فريق من الخبراء الدوليين لتحسين مقومات البيئة الاستثمارية من خلال مواصلة الإصلاحات الهادفة إلى تهيئة السياسات التي تحكم مقدرات الاستثمار في اليمن لتحقق البنية التشريعية الملائمة .

إن إنجاز مشروع تسهيل وتبسيط إجراءات بدء الأعمال التجارية وقانون المناقصات وقانون السجل العقاري وغيرها من الإجراءات التي طبقت هي أولى الخطوات العملية والصادقة التي تعكف الحكومة لانجازها وقد انعكست إيجابا في تدفق مزيد من رؤوس الأموال العربية والأجنبية وهى بصدد تقديم قانون جديد ( بديل) لقانون الاستثمار الحالي إلى مجلس النواب بعد استيعاب مضامين تقرير المكتب الاستشاري لخدمات الاستثمار الأجنبي فياس (FIAS) والملاحظات المقدمة من الجهات ذات العلاقة الحكومية والخاصة.

ومما لاشك فيه من أن قيام القطاع الخاص بالاضطلاع بدوره الحيوي والمحوري بالمشاركة الفاعلة لمسيرة التنمية الشاملة سيمنحه الدعم اللازم للتطوير وتهيئته بالشكل المناسب لدخول سوق الأوراق المالية المزمع إنشاءه خلال الفترة القادمة ويوفر له مقومات المناخ الاستثماري الجاذب كوسيلة لتحقيق معدلات نمو اقتصادي فاعل ينعكس إيجابا،كما انه سيساعد على تطوير السياسات المتعلقة بالاستثمار في قطاعات التعدين والاستخراجات النفطية ويعيد للمزايا المنافسة التي يمثلها الموقع الجغرافي لميناء عدن الذي احتل خلال الأربعين عاما الماضية المرتبة الثانية كأحد أهم الموانئ في العالم وتطوير مدن الموانئ في المحافظات الساحلية الأخرى ،وبذلك فأن السنوات القادمة ستشهد تحسناً ملموسا في مقدرات الاستثمار نظرا لتصميم الحكومة على مواصلة التطبيق الصادق للإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية الشاملة.



ليست هناك تعليقات: