الأربعاء، 19 يناير 2011

نظرة نحو سياسة تربوية تقوم بالاهتمام بالفرد وبناء شخصيته المتعلمة المتكاملة


التربية هي البوتقة التي يتشكل فيها الانسان بعد أن يولد ويفطم، وفي هذا السياق يمكن لنا استحضار مقولة الفيلسوف إما نويل كانت الذي يقول فيها بوصفة أن التربية هي الروح الحضارية التي تجعل من الإنسان أنسان، والتربية بمفهومها الشامل هي الأكثر قدرة على تشكيل شخصية الفرد في المجتمع بأبعادها المختلفة وتتركز على مفهوم التعليم الذي يفرض علينا أن نبدأ بمعرفة احتياجات الفرد قبل أن ننتقل إلى الوسائل التي يمكن استخدامها لتلبية تلك الاحتياجات وتبدأ من الطفولة المبكرة و تمتد عبر مرحلة الرشد.


لقد ذكـر بعض العلماء قائمة بالمـعاني الاصطلاحية للتربية ومنها: أنها عملية إعداد العقل السليم: وأصل هذا المفهوم يرجع إلى (الفلسفة المثالية) ووظيفتها الأساسية تنمية العقل لان العقل يسيطر على الجسم ويوجهه لخدمته ، والتربية عملية حفظ التراث ونقله: جاء هذا المفهوم من الفلسفة الإنسانية التي تعتمد على التراث الشعبي وبان التراث ثابت لا يتغير، والتربية عملية استغلال للذكاء الإنساني : جاء هذا المفهوم من ميدان علم النفس الذي يتخذ من التجريب أسلوباً في البحث واستخدام اختبارات الذكاء، والتربية عملية استثمار اقتصادي يمكن ان تعد التربية وفق هذا المفهوم: اي ان التربية عملية اقتصادية لها عائد و مردود مثلها مثل الأموال التي تستثمر في مشروع اقتصادي، والتربية عملية اكتساب خبره: نظراً الى ما يتعرض له الفرد في حياته من المواقف والاحداث وتراكمها، وهذه الخبرات لا نهاية لها ومتغيرة ومتجددة.

بالنظر الى استخدامات التربية على مر العصور حيث كان ينظر لها في العصور القديمة: من منظورالحاجة التي تبلورت الى فهم التربية ولما تمثلة للحضارات والشعوب التي سادت في تلك الفترة، فعند الصينيين القدماء عرفت على انها إعداد طبقة الحكام، وعند الهنود القدماء استخدمة لاعداد الفرد للحياة المستقبلية، وعند اليهود الإخلاص لـ( ياهو (الله) )، وعند اليونان إعداد الجنود وتنشئة الفرد المتكامل، اما في العصور الوسطى: فقد استخدمة عند المسيحية لإعداد الفرد للحياة الأخرى وعند المسلمين إعداد الفرد للحياة الدنيا والآخرة ، وفي العصور الحديثة : (عصر النهضة) ركزت التربية على الناحية الفردية ( التربية الفكرية )، وفي القرن السابع عشر : ركزت على الحركة العلمية الفلسفية ( التربية الواقعية )، اما في القرن الثامن عشر: فقد ظهرت النزعة الإصلاحية التي ترمي إلى إصلاح التربية وظهرت النزعة الطبيعية لـ( روسو) على أساس أن الطبيعة هي الأقدر على توجيه الطفل.

اما في القرن التاسع عشر: فقد ظهرت النزعة العلمية والنزعة السيكولوجية ، التربية المعاصرة : تقوم على الاهتمام بتربية الإنسان وبناء شخصية المتعلم المتكاملة، وهذا الهدف حدّد بشكل جيد حتى يمكن للمتعلمين الوصول إليه وبالتالي تحتم وجود منهج دراسي يتشكل من مواد وأدوات، وينفذ من خلال طريقة تدريس صحيحة مناسبة لطبيعة كل مادة دراسية ، ومستوى نضج المعلم، وهذه الطريقة يتوقف نجاحها إلى حد كبير على توفير التسهيلات المناسبة من وسائل تعليمية وأبنية مدرسية مزودة بفصول وتجهيزات ومستلزمات متكاملة وإنارة ومرافق ملحقه، ومناخ اجتماعي ديمقراطي ومترابط يساعد على نماء شخصية متكاملة للمتعلم، كما ان هذا الهدف يتوقف على توفير البنية المؤسسية الخبيره والمخططة والمشرفة والمنظمة والموجهة لعملية التعلم والتعليم.

فلذلك نجد ان التربية بالمفهوم المعاصر تقوم على عملية ضبط التعليم وتوجيهه نحو أهداف محددة ممنهجة ومدروسه، و التربية والتعليم المعاصره تساهم في محاربة القيم والمعتقدات والتقاليد التي تعيق تقبل المفاهيم الايجابية المعاصرة مثل التقنية الحديثة، وتشجع استخدام التكنولوجيا ونشر التعليم وتزويد الأفراد بالمعرفة وتطوير قدراتهم في إثراء حياة المجتمع، وتفتح أمامهم أفاق العلم والثقافة والمعرفة والحياة الكريمة، تعتمد في الاساس على البنية المؤسسة للتربية والتعليم في تنمية الوعي وفي كافة المجالات وشتى فروع العلم والمعرفة ، وتسعى الى تكييف الأفراد مع التطور وإكسابهم مهارات واساليب العمل والتحلي بروح المسئولية لخدمة وطنهم ومجتمعهم نحو التقدم والازدهار، وتساعد الفرد على اكتشاف قدراته وتنمية امكاناته ومهاراته وتطوير مفاهيمه وتوظيفها بما ينفع الفرد ويفيد المجتمع .

والمتأمل في العملية التربوية والتعليمية يجد أنها أصبحت بحكم طبيعتها عملية مستقبلية ومن ثم النظر الى انها ليست مسالة مجاراة لاتجاهات عصر ولا مسايره لمطالب مفروضة، وإنما هى حتمية كيان و ضرورة وجود وبقاء، ومن هنا تأتي الحكمة في التنبيه إلى أن أبنائنا عندما نربيهم لابد وأن نضع في الاعتبار أنهم مخلفون لزمان غير زماننا اذا اراد الله.

تلعب البيئة الاجتماعية أهمية وذات بعد حيوي كبير في تكوين الفرد ونمو شخصيته وتكوين السلوك الإنساني، وهو نتاج لعملية التفاعل المستمر والترابط بين أنماط لاحدود لها من المثيرات مع أنماط تكافئها من الاستجابات، ومدى تميزها وقدرتها على تفسير الطبيعة والسلوك الإنساني ولا يقتصر دور التربية على نقل الثقافة الإنسانية من جيل لآخر أو من متطور لمجتمع اقل تطور، بل تجاوز ذلك إلى توظيف التراث الإنساني والاستلهام منه، والاعتبار منه ونقده وتطويره، ذلك ان ارتباط التربية والثقافة برابطة وثيقة لنتاج تحتم وجودهما معا في أي مجتمع من المجتمعات، ولا يمكن دراسة التربية إلا في إطارها الثقافي كما ان الشخصية القيمه على التربية والتعليم وتطورها تتحدد إلى حد كبير بمستوى نضجها الثقافي، والتلميذ الذي ترعاه المدرسة هو بالحصلة نتاج ثقافي بيلوجي في نفس الوقت، وهو أمر متفقاً عليه لذلك نجد انه لا يمكن تطبيق اي عملية تربوية وتعليمية بمعزل عن المجتمع بعاداته وتقاليده وأعرافه وقيمه، وبالتالي لا يمكن التخطيط والتوجيه على أساس سليم الا في ضوء الفهم والادراك العميق و الواضح للأبعاد الثقافية للمجتمع، كما أن عملية التنشئة الاجتماعية التي هي من ابرز ما تقوم به التربية لاتقتصرعلى مؤسسة او جهة بعينها، أو على موقف من مواقف الحياة ، إنما هي عملية موصولة تشارك فيها جميع وسائط الثقافة كالأسرة والمسجد والمدرسة ... الخ، ويضاف اليها ما سيستحدثه أفـراد المجتمع مـن وسائل وطرق اتصال جديدة، والتربية عملية اجتماعية ثقافية تأتي ضرورتها من ضرورة الوجود الاجتماعي للأفراد ومن كونهم حاملين للثقافة، ومن هذا كله يتضح لنا اهمية العلاقة الارتباطية بين التربية والثقافة، فالثقافة بكل وسائطها تمثل المضمون العام للتربية، والتربية بدورها تعد بكل وسائطها أداة تنفيذ الثقافة وإعداد الأفراد من اجل حفظ تراثهم الاجتماعي والثقافي وبلورة الشخصية الثقافية المتميزة عن غيرها.


السياسة التربوية والتعليمية:

تعرف السياسة التربوية التعليمية بأنها عملية تحديد الاتجاهات والاستراتيجيات والخطط الفعالة للأداء التربوي بما يكفل استخدام الموارد المتاحة لتحقيق الأهداف التربوية والتعليمية العامة ، والجهة التي تحدد السياسات التربوية والتعليمية هى الدولة ممثلة بالنظام السياسي، وهو من يصيغ الاستراتيجيات والخطط والأهداف والسياسات و يحدد للبنية اوالنظام المؤسسي التربوي والتعليمي القائم الاليات لتنفيذها والتقيد بها، في إطار البرنامج الانتخابي للحزب الحاكم و توجهه السياسي وفلسفته في الحكم، ونجد أن السلطات السياسية او الاحزاب الحاكمة في كل دول العالم ومن اجل بسط سيطرتها على الدولة لتطبيق رؤيتها السياسية المثمثل في تنفيذ برنامجها الانتخابي التي بموجبه حصلت على تأييد افراد الشعب من خلال الانتخابات، تحرص منذ أيامها الأولى في الحكم وتوليها مقاليد السلطة، على التحرك الواسع في قطاع التربية والتعليم، وتبدأ باعادة صياغة الأهداف التربوية والتعليمية، ورسم السياسة العامة التربوية والتعليمية الجديدة في ضوء السياسات العامة للدولة وتوجهاته و المبادئ السياسية او الحزبية التي تؤمن بها ، لذلك نجد دائما ما تتغير الأهداف والسياسات والاستراتجيات والخطط التربوية والتعليمية بتغير او تبدل توجهات النظام السياسي والقائمين عليه، وتشكل السياسات التربوية والتعليمية إطارا عاما يدير ويتحكم بالأجهزة الفنية والإدارية العاملة في المجال التربوي والتعليمي، ويوجهها نحو اتخاذ القرارات السليمة والفاعلة التي يمكن أن تحقق أهداف العملية التربوية والتعليمية للمجتمع، وتترجم السياسات التربوية والتعليمية إلى قوانين و أنظمة وبرامج وقرارات وتعليمات، كما يتخذ التعبير المؤسسي عن السياسة التربوية والتعليمية شكل وزارة ومكاتب إدارية ومراكز تعليمية وأجهزة لمتابعة وتطوير العملية التربوية والتعليمية للمجتمع، ، ولذلك فأن الاستراتيجيات والخطط والاهداف والسياسات التي تصاغ للنظم التربوية والتعليمة تحتاج إلى استقراء عميق وتمحيص لكافة الإمكانات البشرية والمادية المتاحة من جانب، و معرفة حقيقية لكل العوامل التي تؤثر سلبا اوإيجابا على النظام التربوي و التعليمي حتى تحقق التطور الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والثقافي المراد الوصول اليه، وبالتالي ترجمة كل ذلك الى مشاريع وبرامج للتنفيذ ، وهو ما يعرف بالتخطيط التربوي والتعليمي، ويحتاج التخطيط التربوي والتعليمي إلى قدر كبير من الإمكانات البشرية والمادية والمهارات الفنية والمعلوماتية فتوفر الكوادر الفنية العالية التدريب والتأهيل ووجود قواعد المعلومات والبيانات الإحصائية الكمية والكيفية تمثل ضرورة أساسية من ضرورات التخطيط التربوي السليم والفعال وعند صياغة الأهداف التربوية في هذه المرحلة يمكن إعادة النظر في الأهداف التربوية والتعليمية المصاغة لمزيد من المراجعة والتنقيح وبشكل افضل، ومن ثم صياغة الأهداف النهائية والمحدّدة للخطة على ضوء الأهداف العامة للتربية والتعليم، وتكون هذه الأهداف واضحة وعملية يمكن تحقيقة وعكسها على ارض الواقع.



*باحث وكاتب متخصص بالشئون الاقتصادية



ليست هناك تعليقات: